ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم

ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم

بعد 25 عاماً على هجمات 11 أيلول، كيف غيّرت الحروب والردود الأمنية الولايات المتحدة والعالم، وهل شكّلت تلك اللحظة بداية تراجع الهيمنة الأميركية؟
ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم
سيدة تلتقط صورة سيلفي فيما تظهر "أضواء التكريم" فوق جسر بروكلين ومانهاتن السفلى في نيويورك، 8 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

انتهى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وباتت الولايات المتحدة ملكة هذا العالم، بعدما تنازلت أوروبا عن حصتها في إرث هذا العرش.

عشر سنوات مضت على هذه "المَلكيّة" قبل أن تستفيق المدينة التي لا تنام، نيويورك، على خبر اصطدام طائرتين ببرجي التجارة العالمي، ولحقه هجوم آخر على البنتاغون في واشنطن، وسقطت، أو أُسقطت، طائرة رابعة في ولاية بنسلفانيا قبل أن تصل إلى هدفها. هذه الهجمات هزّت وجدان الأميركيين، لكنها أدت إلى صدمة عميقة في النظام العالمي الأحادي.

أحداث عامي 1991 و2001 أشار إليها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في كتابه "الزلزال: النظام العالمي بين الشعبوية والديموقراطية"، فوصف الأولى بأنها زلزال جيوسياسي، والثانية بأنها زلزال أمني.

وجاء هذا التشخيص ووصف الحدثين بـ"الزلزال" للدلالة على حجم التغييرات التي أحدثتها هذه الوقائع، فقد باتت بمثابة مفاصل تاريخية حكمت كل ما لحقها.

وقد عبّر عدد من الخبراء الأميركيين لـ"النهار" عن وجهات نظر مختلفة في تقييمهم لما بعد أحداث 2001، لكن القاسم المشترك بينهم أن الولايات المتحدة تغيّرت.

وفي السياق، يمكن القول إن أحداث 11 أيلول/سبتمبر لم تكن مجرد هجوم إرهابي انتهى ضمن حدود زمانه ومكانه، بل كانت شرارة مرحلة تاريخية لا تزال مستمرة حتى اليوم، عنوانها محاربة الإرهاب. وهذا ما أدى عملياً إلى حروب مستمرة، وتشكيل نظام أمني داخل الولايات المتحدة عُرف بـ"عقيدة الضربات الاستباقية"، تقدّم على كل النظم التي حكمت علاقة واشنطن بالعالم قبل هذا العام. ومن هنا كانت حربا أفغانستان والعراق.

نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى الأسبق السفير غوردن غراي، يقول إن الحديث عن الهجمات الإرهابية في 11 أيلول يأخذه إلى التعليق على حربي أفغانستان والعراق.

ويضيف أنه بعد هذه الهجمات، "لم يكن أمام الرئيس (الأميركي) خيار حقيقي فيما يتعلق بأفغانستان. أما الحرب على العراق، فقد تبيّن أنها قامت على أسس خاطئة، مثل الادعاء بوجود أسلحة دمار شامل".

ويعرب غراي في حديثه إلى "النهار" عن اعتقاده أن الرد على هذه الهجمات "شكّل بداية نهاية الهيمنة الأميركية"، لأنه على الرغم من أن العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق كانت ناجحة في البداية، فإنها "فشلت في نهاية المطاف في القضاء على حركة طالبان في أفغانستان وفي بناء مجتمع منفتح في كلا البلدين. وقد أظهر ذلك أن قدرات الولايات المتحدة محدودة".

في المقابل، يرى العضو السابق في المجلس الاستشاري للرئيس الأميركي دونالد ترامب، غابرييل صوما، أنه بعد 25 سنة على هجمات 11 أيلول "تغيّرت السياسة الأميركية بصورة كبيرة. الإرهاب لم يعد العنوان الرئيسي للاستراتيجية الأميركية، بل أصبح واحداً من تهديدات عدة. بمعنى أن المنافسة بين الدول الكبرى وحماية الداخل الأميركي عادتا إلى مركز السياسة".

ويشدد في معرض حديثه لـ"النهار" على أن إدارة ترامب "تؤكد استخدام القوة بصورة مباشرة ضد من تعتبرهم تهديداً للأمن القومي الأميركي. بمعنى آخر، أصبحت المعادلة تشمل الإرهاب والمخدرات والحدود والصين وإيران والتهديدات السيبرانية".

وخلافاً للرأي الديبلوماسي والسياسي، فإن تقييم الجانب العسكري لسنوات ما بعد هجمات أيلول هو أن "الجيش الأميركي أصبح أكثر قدرة بكثير على التكيف، وأكثر ترابطاً واعتماداً على التكنولوجيا".

ويقول المتحدث السابق باسم التحالف الدولي لهزيمة تنظيم "داعش"،العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي مايلز ب. كاغينز الثالث: "شاهدت تطور العقيدة العسكرية بشكل مباشر وفي الوقت الفعلي. لقد تعلمنا كيفية محاربة الشبكات الإرهابية وبناء قدرات الشركاء والعمل في بيئات معلوماتية معقدة واتخاذ القرارات بسرعة أكبر وعلى مستويات قيادية أدنى".

ويضيف لـ"النهار" أن كل صراع يجبر القوات الأميركية على التكيف، وأن الدرس المستفاد من السنوات الـ25 الماضية هو أن "العقيدة العسكرية لا يمكن أن تبقى ثابتة"، وأن "النجاح العسكري والنتائج السياسية أمران مختلفان". ومن الأمور التي بقيت ثابتة منذ 11 أيلول 2001 "صلابة الجنود الأميركيين وروحهم القتالية، إلى جانب دعم عائلاتهم لهم".

 

شخص يراقب غروب الشمس خلف جسر بروكلين ومركز التجارة العالمي ومانهاتن السفلى في نيويورك، 8 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
شخص يراقب غروب الشمس خلف جسر بروكلين ومركز التجارة العالمي ومانهاتن السفلى في نيويورك، 8 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)

 

قانون الوطنية

 

على المستوى الداخلي، كان من تبعات هجمات 11 أيلول إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، إذ تم إنشاء وزارة الأمن الداخلي وتأسيس إدارة أمن النقل (TSA)، التي فرضت إجراءات تفتيش صارمة أصبحت معياراً عالمياً.

بالتوازي، صدر "قانون الوطنية" (Patriot Act)، الذي منح أجهزة الاستخبارات صلاحيات واسعة النطاق لمراقبة الاتصالات والإنترنت وتتبع البيانات الشخصية، وهو ما أثار جدلاً حقوقياً واسعاً بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الأمن والحفاظ على الحريات والخصوصية.

وفي هذا الإطار تحديداً، يقول كاغينز، الذي أنشأ منظمة غير ربحية تدافع عن المزايا والسياسات الداعمة للمحاربين القدامى الذين خدموا بعد أحداث 11 أيلول، إن الولايات المتحدة أصبحت "بصورة متزايدة دولة مراقبة، مع استخدام كاميرات المراقبة التلفزيونية (CCTV) لتتبع لوحات المركبات، ومراقبة الاتصالات الإلكترونية من جانب الحكومة والشركات الخاصة". وأن المراقبة بحد ذاتها أصبحت أمراً طبيعياً جديداً، "وما يُرجح أن نشهده خلال الأشهر والسنوات المقبلة هو تسليح الأنشطة التي كانت تُعد في السابق خاصة واستخدامها لتبرير مضايقة الدولة للأفراد".

لكن، في الوقت عينه، يقول كاغينز إن الولايات المتحدة أصبحت أكثر قدرة بكثير على اكتشاف التهديدات الإرهابية وتعطيلها مما كانت عليه في 10 أيلول 2001. "لكن الأمن ليس سوى جزء واحد من إرث تلك المرحلة. فتوسّع السلطة الرئاسية والمراقبة والقدرات ذات الطابع العسكري في أجهزة إنفاذ القانون والخطاب السياسي والحريات المدنية والتماسك الاجتماعي كلها أيضاً جزء من النقاش الوطني الذي أطلقه 11 أيلول".

 

اليمين والحلفاء

 

أحداث ذاك "أيلول الأسود الأميركي"، ومع ما خلّفته من تداعيات على النظام العالمي والأنظمة الإقليمية، ساهمت في إضعاف سيادة الدول. وبعد ربع قرن عليها، بانت الانقسامات السياسية داخل الأحلاف التاريخية. وصعود التيارات الشعبوية والقومية المتطرفة بات سمة طاغية في العالم الغربي، وفي شرق الكرة الأرضية باتت الأنظمة أكثر تشدداً، وما بينهما ساحة صراع بين هذه الأيديولوجيات والمصالح الدولية المتناقضة.

وفي هذا الإطار، يؤكد صوما أن سياسة ترامب "ترمي إلى حماية الداخل أولاً، وتستخدم القوة بصورة انتقائية في الخارج". ويخص بالذكر الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي لعام 2026، على أنها لحظت "توسع مفهوم التهديد ليشمل، إلى جانب الجماعات الجهادية، الكارتلات والمخدرات والتهديدات التي تصل إلى الأراضي الأميركية".

ويضيف: "الأنظار تتجه نحو اليمين الأميركي الذي رأى أن إيران تشكل تهديداً لأمن حلفائنا في دول الخليج".

أما غراي فلديه نظرة مغايرة. برأيه، "بعد هجمات 11 أيلول، ازدادت ظاهرة الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، وبدأت القوة الناعمة الأميركية بالتراجع".

كما أنه لا يعوّل كثيراً على استراتيجية الأمن القومي لعام 2026، ويقول إنها "وضعت إيران في مرتبة متأخرة ضمن أولوياتها، في حين أن الواقع اليوم يشير إلى اتجاه معاكس لما ورد في هذه الاستراتيجية".

ويضيف أن ما رأيناه خلال السنوات الـ25 الماضية هو نتيجة الحربين في أفغانستان والعراق، اللتين أسهمتا في صعود إيران والصين. وينوّه إلى أن ثمة فروقات بين الأهداف المعلنة من هاتين الحربين والنتائج التي انتهت إليها، ويستعين بمقولة لأحد رجال الأعمال الصينيين: "أنتم تخوضون الحروب، ونحن نعقد الصفقات التجارية".

أبعد من ذلك، يذهب غراي، الذي عمل مستشاراً في العراق وديبلوماسياً في عدد من دول المنطقة، إلى فكرة تتخطى الحرب، وهي مسألة الثقة. ويلفت إلى أن "فقدان الثقة بالولايات المتحدة جاء بعد الحرب على العراق"، على اعتبار أن الحرب في أفغانستان كانت بتفويض من الأمم المتحدة ومشاركة من حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويتابع: "أما التراجع الحقيقي في الثقة، فقد بدأ مع حرب العراق، واليوم يتعزز أكثر بفعل الحرب مع إيران".

على المقلب العسكري، يرى كاغينز، المقيم في نيويورك، أن القوة العسكرية الأميركية تستطيع إسقاط نظام، أو هزيمة تشكيل عسكري للعدو، أو توفير مساحة تسمح بالتوصل إلى حل سياسي. لكن بناء نظام سياسي مستدام يعتمد في نهاية المطاف على رغبات شعب ذلك البلد وقادته.

 

 11  سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).
11 سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).

 

 

"11 سبتمبر… هل يتكرر؟" - ملف خاص من "النهار"

في ربع قرن، ضعفت الجماعات الجهادية، تراجعت قدراتها الجماعية، لكنها ما تزال تشكل خطراً، لكن أما زالت قادرة على تنفيذ هجمات مشابهة لهجمات "11 سبتمبر"؟

 

1- جورج عيسى: هل من 11 سبتمبر آخر في الأفق؟

2- الدكتور جوزف برامل، الباحث في العلوم السياسية وخبير في الشؤون الأميركية: ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن

3- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: ربع قرن على 11 سبتمبر: من "القاعدة" إلى إرهاب بلا مركز

4- جاد فياض: مخيمات أطفال "داعش": قنابل موقوتة تنتظر التوظيف السياسي؟

5- يحيى شمص: سجون الجهاديين... هل تعيد إنتاج "داعش" أم تكسر دائرة التطرف؟

6- عقيلة دبيشي: أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟

7- راغب ملّي: مكافحة الإرهاب بعد عشر سنوات... الذكاء الاصطناعي على جانبي المواجهة

8- عبد الرحمن أياس: من التبرعات إلى الذهب والجباية... كيف تغيّر اقتصاد الجماعات الجهادية بعد 11 أيلول؟

9- خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب

 

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 8:05:00 PM
وزارة الطاقة تؤكد أن القرار المتعلق بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأقل من 1.5 ميغاوات موقت، ولا يستحدث تكاليف إضافية على المواطنين.
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.