خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب

صحة وعلوم 11-09-2026 | 06:48

خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب

الإرهاب يبدأ كعقيدة ثمَّ يتطوّر بفعل عوامل نفسية، فكرية واجتماعية قد تدفع الفرد نحو التطرّف وتبنّي العنف.
خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب
أطفال من بين المحتجزين ينظرون عبر سياج مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه إثر انسحاب عناصر "قسد"، الحسكة، 21 كانون الثاني/يناير 2026. (رويترز)
Smaller Bigger

التطرّف، كلمة قد تبدو بسيطة في قاموس اللّغات، لكنَّها في الواقع أخطر من أيّ سلاح عندما تتحوّل من فكرة إلى عقيدة ومن عقيدة إلى فعل.

يتحوّل الإنسان العادي إلى مُفجّر وقاتل للبشر باسم الدين، كي يجد نفسه أمام خطاب برّاق يمنحه تفسيراً لكلّ ما يعيشه ويعدُه بهوية، انتماء وغاية يظنّ أنَّه فقدها. 

شيئًا فشيئاً، تتبدّل نظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله، فيبدأ الآخر بالظهور كعدو له، لِيُصبح العنف واجباً مقدّساً وجهاداً.


جذور ومسارات الإرهاب الحديث 

 

لم يتوصّل المجتمع الدولي إلى تعريف موحّد للإرهاب، إلّا أنَّ معظم التعريفات تلتقي عند جوهر واحد: استخدام العنف، التهديد لزعزعة الخوف وفرض أهداف سياسية، إيديولوجية أو غيرها.

ورغم أنَّ العنف السياسي ظاهرة قديمة، اكتسب مصطلح "الإرهاب" معناه السياسي الحديث خلال الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، لا سيّما خلال "عهد الإرهاب" بين عامَي 1793 و1794. 

مع مرور الزمن، تطوّر مفهوم الإرهاب وأساليبه وأصبح حاضراً في حروب ونزاعات وسياقات مختلفة، وصولاً إلى أشكال أكثر تعقيداً وانتشاراً في العصر الحديث.

عمل المجتمع على وضع أُطر قانونية بهدف مواجهتِه، من بينها اتّفاقية طوكيو لِعام 1963 المتعلّقة بالأفعال والجرائم المرتكبة على متن الطائرات، اتّفاقية الحماية المادية للمواد النوويّة لِعام 1980، إلى جانب اتّفاقيات لاحقة استهدفت التفجيرات وتمويل العمليات الإرهابية.

شهد التاريخ الحديث هجمات إرهابية تركت آثاراً عميقة في المجتمعات وكثير من الدول، أبرزها: "هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتّحدة، تفجيرات عمّان عام 2005 وباريس عام 2015. ولم تقتصر آثارها على الخسائر البشرية، بل امتدت تداعياتها إلى الأمن والاستقرار، لِيتجاوز صداها حدود الدول التي استهدفتها. 

في السنوات الأخيرة، لم ينتهِ التهديد الإرهابي بل تغيّرت أشكاله، فبحسب التقرير الثاني والعشرين للأمين العام للأمم المتّحدة بشأن تنظيم "داعش"، الصادر في شباط/فبراير 2026، لا يزال التنظيم يُشكّل تهديداً للأمن والسلام الدوليين، من خلال نشاط فروعه بمناطق مختلفة، واستمرار قدرته على التجنيد، والتمويل والاستفادة من التكنولوجيا. ففقدانه السيطرة على الأراضي لم يُنهِ خطره، بل دفعه نحو أشكال أكثر انتشاراً واعتماداً على الشبكات.

يظهر التهديد أيضاً في ظاهرة المقاتلين الأجانب، إذ أشار تقرير لـ "Congressional Research Service" عام 2015 إلى سفر آلاف الأشخاص إلى سوريا والعراق للانضمام إلى جماعات مسلّحة، متأثّرين بالدعاية المتشدّدة والروابط الاجتماعية وما رافق ذلك من مخاوف بشأن عودة بعضهم واستمرار تأثّرهم بالتطرّف. 

تعتمد التنظيمات الإرهابية أيضاً على التمويل، إذ تُستخدم أحياناً قنوات غير رسمية لتحويل الأموال عبر الحدود، ما يُصعّب تتبّعها. لذلك، تشمل مكافحة الإرهاب تجفيف مصادر التمويل وتعقّب شبكاته.

تناولت السينما والدراما العربية والأجنبية ظاهرة الإرهاب والتطرّف في أعمال عدّة، سعت إلى تقديم صور مختلفة لهذه الظاهرة ودوافعها ومن أهم الأعمال العربية :"الاختيار"، "هجمة مرتدة"، "القاهرة كابول"، "هوتيل مومباي" وغيرها.

 
مع تطوّر البيئة الرقمية، لم يعد تناول الآفة مقتصراً على مظاهر الإرهاب التقليدية، بل امتدّ إلى دراسة دور وسائل التواصل الإجتماعي والمنصات الرقمية في استقطاب الأفراد وتشويش عقولهم، فضلاً عن استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة، مثل "WhatsApp وTelegram"، في التواصل بين المتطرّفين. 


المقاربة النفسية للتطرّف 

 

من المنظور النفسي، لا يُمكن اختزال التحوّل نحو التطرّف أو الإرهاب في نمط شخصي واحد أو ربطه باضطراب نفسي محدّد.

يوضح الدكتور مرام حكيم، الطبيب والمعالج النفسي العيادي، أنَّ "المسارات التي قد تدفع بعض الأفراد إلى الإنخراط في العنف تختلف من شخص إلى آخر وتتأثّر بعوامل عدّة، من بينها الشخصية، التجارب التي مرّ بها الفرد، البيئة التي نشأ فيها والظروف المحيطة به".

ويُشير إلى أنَّ "بعض الأشخاص قد يمتلكون سمات شخصية تجعلهم أكثر ميلاً إلى استغلال الآخرين أو إيذائهم وقد تظهر لديهم منذ سن مبكرة سلوكيات مقلقة، مثل التنمّر، الكذب المتكرّر، السرقة، الإستخفاف بالقواعد والقوانين أو التعدّي على الآخرين".

بحسب حكيم، "قد ترتبط هذه السلوكيات في بعض الحالات باضطراب الشخصية المعادية لِلمجتمع، سمات نرجسية شديدة أو نزعات سادية".

لكنَّه يُؤكّد أنَّ "وجود مثل هذه السمات لا يعني إطلاقاً أنَّ الشخص سيتحوّل إلى إرهابي أو ينخرط في أعمال عنف، إذ إنَّ هذه الخصائص وحدها لا تكفي لتفسير التطرّف".

كما يرى أنَّ "بعضها قد تجعله أكثر قابلية لِلإنجذاب إلى جماعة أو بيئة تستغل نزعات موجودة لديه أصلاً وتُوجّهها في مسار عنيف".

في المقابل، يلفت إلى أنَّ "أشخاصاً آخرين قد لا تكون لديهم نزعات واضحة نحو العنف في الأساس، لكنَّهم قد يتغيّرون تدريجياً نتيجة ضغوط وتجارب خارجية".

غسل الدماغ والتلقين من بين الأساليب التي يُمكن أن تُسهم في ترسيخ الأفكار المتعصّبة والتلاعب في قناعات الفرد وتوجّهاته.

قد تبدأ العملية من تجربة مؤلمة، شعور بالظلم والغبن أو سوء المعاملة والتّهميش، إضافةً إلى الظروف الإجتماعية والإقتصادية الصعبة التي قد تتراكم لِتُولّد شعوراً بالغضب.

هنا، يعتبر حكيم أنَّ "أهمية الجهة أو الجماعة التي تتعامل مع هذا الغضب تكمن في قدرتها على استغلاله أو تأجيجه، توجيهه نحو طرف محدّد وتصويره على أنَّه "العدو" أو المسؤول عن المعاناة.

ويشرح أنَّ "عملية التطرّف تتطوّر بصورة تدريجية من خلال التلقين المتواصل، فالأفراد لا يستجيبون لهذه العملية بالطريقة نفسها، إذ تختلف قابليتهم للتأثّر تبعاً لشخصياتهم، تجاربهم، هوياتهم، بيئاتهم ومدى قدرتهم على التفكير النقدي".

تزداد قابلية الإنقياد عندما يكون المرء في مرحلة عمرية تجعله أكثر انفتاحاً على الأفكار التي يتلقاها من محيطه ولا سيّما حين يعتمد الخطاب على تقسيم العالم إلى "نحن" و"هم" أو على زرع الخوف والكراهية تجاه فئة محدّدة.

من أبرز الآليات النفسية التي يُضيء عليها حكيم في مسار التطرّف، "نزع الإنسانية عن الآخر أو ما يُعرف بـ"Demonization"، أيّ تصويره باعتباره عدواً أو شرّاً مطلقاً وتجريده من صفاته الإنسانية".

هذه الآلية قد تُضعف مشاعر التعاطف تجاه الآخر وتُخفّف من الحواجز النفسية والأخلاقية التي تحول دون إيذائه، ما يجعل تبرير العنف بحقّه أكثر سهولة ويُقلّل من الشعور بالذنب تجاهه. 

لا تقتصر على سياق محدّد، بل يُمكن أن تظهر في خطابات دينية، سياسية، عرقية أو وطنية مختلفة. 

يُحذّر حكيم من "استغلال الجماعات الجهادية لمشاعر الظلم، التهميش، الفقر، البطالة والمظالم الإجتماعية والسياسية، إذ قد تُوجّه غضب الفرد نحو "عدو" محدّد"، لكنَّه يُشدّد على أنَّ "هذه الظروف لا تُؤدّي بحدّ ذاتها إلى الإرهاب، بل تكمن الخطورة في الطريقة التي يُمكن من خلالها استغلالها وتوظيفها". 

تلعب الحاجة إلى الهوية والإنتماء دوراً في بعض مسارات التطرّف، إذ قد تمنح الجماعة الفرد شعوراً بالقيمة والهدف، قبل أن تربط هذا الإنتماء بالعداء تجاه الآخرين.

في إطار الوقاية، يُبرز حكيم "أهمية دور الأسرة، المدرسة والمجتمع برصد التغيّرات السلوكية وتنمية التفكير الموضوعي والنقدي، كما ترسيخ قيم العدالة، المساواة واحترام الإختلاف". 

يُتابع: "إنَّ ظهور علامة سلوكية واحدة لا يكفي وحده للإعتراف بوجود تطرّف ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤشرًاً حاسماً على ذلك".

أمّا إعادة التأهيل، فيُبيّن أنَّها "تتطلّب معالجة آثار التلقين وغسل الدماغ، تعزيز التفكير المستقل ومساعدة الفرد على بناء حياة أكثر استقراراً من خلال التعليم، العمل والإندماج الإجتماعي". ويستدرك أنَّ "هذه العملية قد تكون معقّدة ولا تُحقّق النتيجة نفسها في جميع الحالات". 

بعض الأشخاص قد ينضمون إلى جماعات عنيفة بدافع المال، فيما يُمكن أن تُستغل أحيانًا المخدرات أو حالات الإدمان، لكنَّ هذه العوامل لا تُمثّل أسباباً مباشرة أو شاملة للإرهاب.

يخلص حكيم إلى أنَّ "الإرهاب لا ينشأ عن عامل واحد، بل نتيجة تداخل مجموعة من العوامل والمسارات النفسية، الإجتماعية والبيئية".

فهم هذه المسارات، برأيه، "يُساعد على تطوير أساليب أفضل للوقاية، التدخّل وإعادة التأهيل، دون أن يعني ذلك تبرير العنف أو إعفاء مرتكبيه من المسؤولية".

الوصول إلى جذور التطرّف والإرهاب يُثبت أنَّ هذه الظاهرة ليست قدراً محتوماً ولا وليدة اللّحظة، بل هي محصّلة معقّدة لتشابك عوامل مختلفة تُستغل ببراعة من قبل التنظيمات المتلاعبة بالعقول والنفوس.

مواجهة هذا الخطر المستمر لا تقتصر على الحلول الأمنية وحدها، بل تتطلّب استراتيجيات واعية تبدأ من تعزيز التفكير الواعي في النشء، حماية المجتمعات من التهميش وتجفيف منابع الإستغلال الفكري والنفسي، لِيبقى الإدراك خطّ الدفاع الأوّل في مجابهة هذا المدّ المدمّر. 

 

 11  سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).
11 سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).

 

"11 سبتمبر… هل يتكرر؟" - ملف خاص من "النهار"

في ربع قرن، ضعفت الجماعات الجهادية، تراجعت قدراتها الجماعية، لكنها ما تزال تشكل خطراً، لكن أما زالت قادرة على تنفيذ هجمات مشابهة لهجمات "11 سبتمبر"؟

 

1- جورج عيسى: هل من 11 سبتمبر آخر في الأفق؟

2- الدكتور جوزف برامل، الباحث في العلوم السياسية وخبير في الشؤون الأميركية: ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن

3- باسل العريضي: ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم

4- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: ربع قرن على 11 سبتمبر: من "القاعدة" إلى إرهاب بلا مركز

5- جاد فياض: مخيمات أطفال "داعش": قنابل موقوتة تنتظر التوظيف السياسي؟

6- يحيى شمص: سجون الجهاديين... هل تعيد إنتاج "داعش" أم تكسر دائرة التطرف؟

7- عقيلة دبيشي: أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟

8- راغب ملّي: مكافحة الإرهاب بعد عشر سنوات... الذكاء الاصطناعي على جانبي المواجهة

9- عبد الرحمن أياس: من التبرعات إلى الذهب والجباية... كيف تغيّر اقتصاد الجماعات الجهادية بعد 11 أيلول؟

 

 

 

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 8:05:00 PM
وزارة الطاقة تؤكد أن القرار المتعلق بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأقل من 1.5 ميغاوات موقت، ولا يستحدث تكاليف إضافية على المواطنين.
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.