أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟

دوليات 11-09-2026 | 06:45

أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟

أفريقيا تعيد رسم خريطة الجهادية العالمية مع تمدد "القاعدة" و"داعش" من الساحل إلى الصومال. كيف صنعت هشاشة الدول بيئة جديدة لنفوذ التنظيمات المسلحة؟
أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟
جندي مالي يتخذ موقعاً خلال هجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية خارج العاصمة باماكو، في 25 نيسان/أبريل 2026. (رويترز)
Smaller Bigger

تغيّرت خريطة التهديد الجهادي العالمي خلال السنوات الأخيرة. وإلى جانب أفغانستان والعراق وسوريا، انتقل جزء متزايد من مركز الثقل العملياتي إلى القارة الأفريقية، وتحولت مناطق من الساحل والقرن الأفريقي وحوض بحيرة تشاد إلى ساحات رئيسية لنشاط جماعات مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش".

ويستفيد هذا التمدد من هشاشة الدولة، وتراجع الشراكات الأمنية الغربية، واتساع النزاعات المحلية والفقر والنزوح، فضلاً عن حدود رخوة ومساحات شاسعة يصعب على الحكومات السيطرة عليها.

 

أرقام تكشف مركز الثقل الجديد

 

تكشف أرقام "المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية" حجم التحول. فقد سجلت أفريقيا عام 2025 نحو 23,968 وفاة مرتبطة بجماعات إسلامية مسلحة، بزيادة 24% عن العام السابق، فيما بلغ عدد الأحداث العنيفة المرتبطة بهذه الجماعات 8,375، وهو أعلى مستوى يسجله المركز في القارة. واستحوذت ثلاثة مسارح، هي الساحل والصومال وحوض بحيرة تشاد، على 98% من الوفيات.

في الساحل وحده، سُجلت 9,826 وفاة، أي 41% من الإجمالي الأفريقي. أما الصومال فسجل 8,813 وفاة مرتبطة بـ"حركة الشباب" و"داعش"، بزيادة 93%، فيما ارتفعت وفيات حوض بحيرة تشاد 28%.

وبمنهجية أضيق لاحتساب العمليات الإرهابية، يعكس مؤشر الإرهاب العالمي 2026 التحول نفسه. فقد استحوذ الساحل في 2025 على أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالمياً، بعدما كانت حصته أقل من 1% عام 2007. وفي الوقت نفسه، انخفض إجمالي الوفيات الإرهابية عالمياً 28% إلى 5,582، ما يزيد دلالة التركز الأفريقي لهذه الظاهرة.

ويقدم "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) مؤشراً أكثر تحديداً بالنسبة إلى "داعش". فقد بلغت حصة أفريقيا 86% من نشاط التنظيم المسجل عالمياً في الربع الأول من 2026، بعدما بلغت 49% في 2024 و79% في 2025.

ويبقى مركز الثقل القديم حاضراً في الخريطة الجهادية. فأحدث تقرير للأمم المتحدة يقدّر أن "داعش" يحتفظ بما يصل إلى 3 آلاف مقاتل في سوريا، فيما تراجعت قوته في العراق إلى المئات القليلة، ويواصل فرع "داعش خراسان" نشاطه في أفغانستان. وتمنح أفريقيا الجماعات مساحة جغرافية أوسع وحدوداً أكثر رخاوة ومؤسسات أمنية مجزأة، إلى جانب نزاعات محلية على الأرض والمياه والرعي والموارد تستطيع اختراقها وتوظيفها.

 

لماذا أفريقيا؟

 

يربط مجلس العلاقات الخارجية الأميركي تمدد العنف في الساحل بمزيج من ضعف الحكم والفقر والضغط المناخي والانقلابات العسكرية والانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن.

كذلك أسهم انهيار المنظومة الأمنية الليبية بعد 2011 في انتشار السلاح والمقاتلين في المنطقة. وبعد تمرد 2012 وسيطرة جماعات مسلحة على شمال مالي، ازداد التشابك بين الحركات الطوارقية والفصائل الجهادية. ومع تشكيل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) عام 2017، ازدادت قدرة "القاعدة" على تنسيق نشاطها عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ويقول كبير محللي غرب أفريقيا في ACLED هيني نصيبيا إن دول الساحل الأوسط شهدت 12 من بين أكثر 20 هجوماً إرهابياً دموية في العالم خلال 2025. كما رصدت المنظمة تصاعد خطف الأجانب في مالي والنيجر، وتوسع "الحرب الاقتصادية" ضد الحكومات، وتنامي استخدام الطائرات المسيّرة لدى الجماعات المسلحة.

ويرتبط هذا التمدد أيضاً بالتحولات في البيئة الأمنية. فقد أدى خروج القوات الفرنسية وتراجع التعاون الأمني الغربي بعد الانقلابات إلى فراغات واسعة، فيما عجزت الشراكات الروسية عن توفير استقرار مستدام.

وأظهرت هجمات ربيع 2026 حدود هذه الترتيبات بوضوح. ففي 25 نيسان/أبريل، شنت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بالتنسيق مع "جبهة تحرير أزواد" هجمات متزامنة على باماكو وكاتي وموبتي وسيفاري وغاو وكيدال. وفي اليوم التالي، انتقلت كيدال إلى سيطرة المتمردين، قبل انسحاب القوات المالية و"أفريكا كوربس" منها ومن مواقع أخرى في الشمال.

وجاء ذلك فيما كانت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" توسع استراتيجية الحرب الاقتصادية، عبر استهداف الوقود والطرق والممرات التجارية وفرض قيود على حركة الإمدادات باتجاه باماكو ومدن أخرى. كما تمددت الجماعات جنوباً في اتجاه بنين وتوغو وشمال نيجيريا.

 

أنقاض مهجع دمرته بوكو حرام في مدرسة شيبوك بنيجيريا عام 2014، 31 آذار/مارس 2024. (أ ف ب)
أنقاض مهجع دمرته بوكو حرام في مدرسة شيبوك بنيجيريا عام 2014، 31 آذار/مارس 2024. (أ ف ب)

 

 

هل تملك الجماعات القدرة على عمليات كبرى؟

 

أثبتت الجماعات الجهادية الأفريقية قدرتها على شن هجمات منسقة على قواعد عسكرية، وقطع طرق الإمداد، ومحاصرة مراكز سكانية واقتصادية، واحتجاز رهائن أجانب واستخدام العبوات والطائرات المسيّرة. وتبقى شبكات عملياتها الخارجية أدنى من القدرات التي امتلكها داعش في ذروة تمدده في العراق وسوريا.

ويربط المركز الأفريقي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بنحو 78% من الوفيات المرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل. كما استهدفت الجماعة شاحنات الوقود والممرات التجارية للضغط على باماكو. وسجل ACLED قفزة في استخدامها المسيّرات المسلحة من أقل من عشر ضربات عام 2024 إلى نحو 80 ضربة في 2025.

وفي الصومال، تشير تقارير محلية وأممية جمعتها ACLED إلى أن "حركة الشباب" حصلت مطلع 2026 على كميات من الأسلحة والذخائر، بينها طائرات مسيّرة، من الحوثيين في اليمن. وكانت الحركة قد تقدمت خلال هجوم واسع إلى مسافة نحو 50 كيلومتراً من مقديشو، قبل أن تستعيد القوات الحكومية وحلفاؤها بعض المناطق.

ويقول الباحث إبراهيم يحيى إبراهيم من "مجموعة الأزمات الدولية" إن الجماعات أصبحت أكثر قدرة على تهديد المراكز الحضرية بعدما كان نشاطها يتركز إلى حد بعيد في المناطق الريفية ضعيفة الحماية.

أما شبكة "داعش" الأوسع، فتواصل تطوير قدراتها المالية والتقنية. وحذرت تقارير أممية من استخدام الجماعات الإرهابية الاتصالات التجارية عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة، إلى جانب تزايد استخدام العملات المشفرة في التمويل.

وفي الصومال، يبقى فرع "داعش" أصغر كثيراً من "حركة الشباب". وقدّر تقرير للأمين العام للأمم المتحدة في شباط/فبراير 2026 عدد مقاتليه بنحو 200 إلى 300 بعد عمليات واسعة أدت إلى مقتل واعتقال أعداد كبيرة من عناصره.

 

مشروع حكم أم إدارة للفوضى؟

تفتقر هذه الجماعات إلى مشروع سياسي أفريقي موحد، فيما تظهر ممارساتها أن نشاطها يتخطى نموذج العصابات المتنقلة. ويوضح بحث للمعهد النرويجي للشؤون الدولية (NUPI) أن جماعات الساحل تمارس أشكالاً مختلفة من الحكم، فتستخدم الإكراه، وتقيم محاكم متنقلة، وتتدخل في نزاعات الموارد، وتبني روابط اجتماعية مع بعض المجتمعات.

ويمتد أثر التحول الأفريقي إلى محاولات تجنيد عناصر من خارج القارة. فقد وثقت دراسة نشرها "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب" (ICCT) للباحثة كلارا بروكارت، من كانون الثاني/يناير 2019 حتى آب/أغسطس 2026، 25 حالة شملت 36 شخصاً من أوروبا والولايات المتحدة سافروا أو حاولوا السفر أو أبدوا نية للالتحاق بجماعات مرتبطة بـ"داعش" أو "القاعدة" في أفريقيا جنوب الصحراء.

وتصدرت الصومال الوجهات، مع 13 حالة مرتبطة بـ"داعش" وحالة واحدة بـ"حركة الشباب"، مقابل سبع حالات اتجه أصحابها إلى الساحل وحالتين إلى موزمبيق. وفي غرب أفريقيا، يقدم فرع "داعش" نموذجاً أكثر وضوحاً لما يسميه الباحثون "الدولة الأولية"، إذ يجمع في بعض مناطق شمال شرق نيجيريا بين الضرائب والقضاء وتوفير حد أدنى من الخدمات حيث يضعف حضور الدولة.

ويواجه هذا المشروع قيوداً كبيرة. فالجماعات تتنافس في ما بينها، وخصوصاً "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"داعش في الساحل"، وتعمل من دون قيادة موحدة أو نموذج إداري واحد. كما تستند أشكال حكمها إلى الإكراه والضرائب والعقاب، وتواجه رفضاً داخل المجتمعات التي تنشط فيها.

وتوضح دراسة "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب" أن معظم الحالات الغربية بقيت عند مستوى النية أو الإعداد، فيما تمكن عدد محدود جداً من الوصول فعلياً إلى مناطق الجماعات. وهكذا تبقى القدرة على جذب مقاتلين أجانب بأعداد كبيرة أدنى بكثير من التجربة التي شهدتها سوريا والعراق خلال صعود تنظيم "داعش".

ويؤكد بحث "المعهد النرويجي للشؤون الدولية" أن مواجهة الجماعات تتطلب الجمع بين العمل الأمني وتحسين الخدمات والعدالة والحماية المدنية، لأن التنظيمات تستفيد من فراغات الحكم وضعف مؤسسات الدولة وغياب الثقة بينها وبين المجتمعات المحلية.

في المحصلة، أصبحت أفريقيا أهم بيئة لتوسع الجماعات الجهادية المسلحة على المستوى العملياتي، مع استمرار حضور مراكز أخرى في الشرق الأوسط وأفغانستان. وبعض هذه الجماعات بات قادراً على تنفيذ هجمات متزامنة، وتهديد مدن كبرى، والتحكم في طرق تجارية، وفرض حصار اقتصادي، وممارسة أشكال من الحكم المحلي.

ويبقى السؤال ما إذا كانت أفريقيا توفر للجماعات الجهادية بيئة قادرة على إعادة بناء قوة مستدامة وعابرة للحدود، من دون تكرار نموذج "الخلافة" الذي انهار في العراق وسوريا.

 

 

 11  سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).
11 سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).

 

 

"11 سبتمبر… هل يتكرر؟" - ملف خاص من "النهار"

في ربع قرن، ضعفت الجماعات الجهادية، تراجعت قدراتها الجماعية، لكنها ما تزال تشكل خطراً، لكن أما زالت قادرة على تنفيذ هجمات مشابهة لهجمات "11 سبتمبر"؟

 

1- جورج عيسى: هل من 11 سبتمبر آخر في الأفق؟

2- الدكتور جوزف برامل، الباحث في العلوم السياسية وخبير في الشؤون الأميركية: ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن

3- باسل العريضي: ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم

4- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: ربع قرن على 11 سبتمبر: من "القاعدة" إلى إرهاب بلا مركز

5- جاد فياض: مخيمات أطفال "داعش": قنابل موقوتة تنتظر التوظيف السياسي؟

6- يحيى شمص: سجون الجهاديين... هل تعيد إنتاج "داعش" أم تكسر دائرة التطرف؟

7- راغب ملّي: مكافحة الإرهاب بعد عشر سنوات... الذكاء الاصطناعي على جانبي المواجهة

8- عبد الرحمن أياس: من التبرعات إلى الذهب والجباية... كيف تغيّر اقتصاد الجماعات الجهادية بعد 11 أيلول؟

9- خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب

 

 

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 8:05:00 PM
وزارة الطاقة تؤكد أن القرار المتعلق بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأقل من 1.5 ميغاوات موقت، ولا يستحدث تكاليف إضافية على المواطنين.
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.