ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن

ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن

تحليل عميق لتأثير هجمات 11 سبتمبر على الشرق الأوسط وأميركا، وتداعيات الحروب والإرهاب بعد 25 عاماً من الأحداث التي غيرت المنطقة والعالم.

ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن
هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. (أ ف ب)
Smaller Bigger

الدكتور جوزف برامل*

 


 

كشفت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 هشاشة أميركا، أما الردّ عليها فغيّر وجه الشرق الأوسط: حروب واحتلالات مزّقت دولاً، وشرّدت ملايين البشر، وأجّجت الصراع الطائفي، وكرّست منظوراً أمنياً كثيراً ما نُظر من خلاله إلى المجتمعات العربية والمسلمة. وبعد 25 عاماً، لا تزال المنطقة تعيش في ظلّ هذا الإرث.

لا بدّ من أن يبدأ إحياء الذكرى باستذكار نحو ثلاثة آلاف شخص قُتلوا في الولايات المتحدة. لكن بالنسبة إلى جمهور الشرق الأوسط، لا بدّ أيضاً من الالتفات إلى الدائرة الأوسع كثيراً من البشر الذين بدّلت الحروب اللاحقة حياتهم، من كابول وبغداد إلى دمشق وصنعاء، وطرح السؤال: كيف تحوّلت صدمة أميركية إلى حساب طويل تسدّده المنطقة؟

لم تستهدف هجمات "11 سبتمبر" القوة الأميركية وحدها، بل صورة أميركا عن نفسها أيضاً. وقد غيّر ردّ واشنطن على ذلك الجرح الولايات المتحدة، لكن مجتمعات لم تخطّط للهجمات ولم تنفّذها هي التي تحمّلت أشدّ عواقبه وطأة.

 

جرح في صورة أميركا عن نفسها

وقعت الهجمات في لحظة بلغت فيها القوة الأميركية مستوى استثنائياً. كان الاتحاد السوفياتي قد انهار، وباتت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، فيما اعتقد كثيرون أن الديموقراطية الليبرالية والأسواق المفتوحة والعولمة بقيادة أميركية تمثّل الوجهة النهائية للتاريخ.

ثم حوّل 19 خاطفاً طائرات مدنية إلى أسلحة استهدفت المراكز المالية والعسكرية لأقوى دولة في العالم. كانت الإهانة على مرأى العالم، تبثّها شاشات التلفزيون.

تجمع السردية الوطنية الأميركية بين ادّعاء الاستثنائية الأخلاقية وقلق متجدّد من الأفول: فهي تتصوّر أميركا دولة لا غنى عنها، لكنها تخشى أن تفقد هذه المكانة.

هذا ما أصفه بالنرجسية السياسية، لا بوصفه تشخيصاً سريرياً، بل تقديراً جمعياً متقلّباً للذات، يحتاج إلى ما يؤكّده من الخارج. تُظهر هذه النرجسية القوة فيما تخشى فقدان المكانة. وقد ضربت هجمات "11 سبتمبر" أكثر نقاطها حساسية: الاعتقاد بأن أميركا عصيّة على الاستهداف.

 

من الدفاع الضروري إلى حرب إقليمية بلا نهاية

بعد الهجمات، انضمّت حكومات ومواطنون في أنحاء الشرق الأوسط إلى الرفض الدولي لعنف "القاعدة". وكانت حملة محدّدة الأهداف ضدّ التنظيم وحركة "طالبان" التي آوته أمراً ضرورياً. لكن إدارة بوش أعلنت "حرباً على الإرهاب" على مستوى العالم، فحوّلت تهديداً محدّداً إلى عقيدة مفتوحة الأمد، جعلت من الشرق الأوسط ساحة عملها الرئيسية.

اتّسعت المهمة من تدمير شبكة إرهابية إلى إعادة تشكيل منطقة بأكملها، وصارت الديموقراطية أداة أمنية: إطاحة الأنظمة، وبناء المؤسسات، وتجفيف المستنقع المفترض للتطرّف. واختُزلت بذلك مجتمعات معقّدة إلى موضوعات لهندسة تُفرض من الخارج.

كان غزو العراق في 2003 المثال الأشدّ ضرراً. لم يكن العراق قد نفّذ هجمات "11 سبتمبر"، لكن الخوف ضخّم المزاعم المتعلّقة بأسلحة الدمار الشامل، وجعل تغيير النظام استعراضاً لاستعادة أميركا زمام السيطرة. أما بالنسبة إلى العراقيين، فكانت النتيجة انهيار الدولة والاحتلال وسنوات من انعدام الأمن.

انتصرت القوات الأميركية سريعاً، لكنها عجزت عن إرساء نظام سياسي ذي شرعية. وعمّق الفراغ الانقسامات الطائفية، ومكّن الميليشيات، وعزّز نفوذ إيران، وأتاح صعود "القاعدة في العراق"، ثم ما يُسمّى تنظيم "الدولة الإسلامية". وتجاوزت العواقب الحدود، وأثقلت كاهل جيل بالعنف والنزوح.

 

إحدى أكثر الصور تداولاً لهجمات 11 سبتمبر. (رويترز)
إحدى أكثر الصور تداولاً لهجمات 11 سبتمبر. (رويترز)

 

ثمن الردّ المفرط

علينا أن نميّز بين الهجمات والردّ عليها. يقدّر مشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون أن العنف المباشر في حروب "ما بعد 11 سبتمبر" أودى بحياة أكثر من 940 ألف شخص، بينهم ما يزيد على 432 ألف مدني. أما الوفيات غير المباشرة فبلغت الملايين، واضطرّ ما لا يقلّ عن 38 مليون شخص إلى النزوح.

وراء تلك الأرقام منازل هُجرت، ومسارات تعليم انقطعت، وسبل عيش دُمّرت، وأطفال كبروا وسط الحواجز والعقوبات والميليشيات والطائرات المسيّرة، أو في المنافي. كذلك، حوّلت مكافحة الإرهاب الموارد بعيداً من التنمية، وزوّدت حكومات المنطقة بلغة تبرّر بها القمع.

ألحقت غوانتانامو وأبو غريب والسجون السرية وعمليات التسليم الاستثنائي للمعتقلين والتعذيب بالإيهام بالغرق وضربات الطائرات المسيّرة ضرراً بالمكانة الأخلاقية الأميركية. وعمّقت الفجوة بين القيم الكونية والممارسة الانتقائية انعدام الثقة بواشنطن، وبنظام قائم على القواعد كثيراً ما لمس الناس افتقاره إلى المساواة.

كذلك، حوّلت "الحرب على الإرهاب" الهوية الإسلامية إلى مسألة أمنية. واجهت مجتمعات الشكّ والمراقبة والوصم، فيما اختُزلت صراعات المنطقة المتنوّعة في مفردات التطرّف وحدها. وتصبح مكافحة الإرهاب عكسية النتائج حين تخلط بين التنظيمات العنيفة وبين الأديان أو الشعوب أو الشكاوى المحقّة.

 

من الحرب على الإرهاب إلى "أميركا أولاً"

يبدو شعار دونالد ترامب "أميركا أولاً" مناقضاً للنزعة التدخّلية لدى جورج دبليو بوش. فقد سعى بوش إلى إعادة صنع العالم على صورة أميركا، فيما يعد ترامب بحماية أميركا من عالم يُزعم أنه يستغلّها.

لكن الاستمرارية بين النهجين لافتة من الناحية النفسية. فأحد الردّين يسعى إلى إثبات التفوّق بتغيير العالم، والآخر إلى استعادة العظمة بالانسحاب من عالم معادٍ واستخدام القوة بلا قيود. ويمكن للتدخّلية والانعزالية أن تعبّرا عن الشعور نفسه بانعدام الأمان.

أقنعت هذه الحروب كثيراً من الأميركيين بأن النخب خدعتهم: سيكون النصر سريعاً، وسيُعثر على الأسلحة، وستأتي الديموقراطية بعد تغيير النظام. لكن ما حدث هو إنفاق مبالغ طائلة في الخارج، فيما تخلّفت مجتمعات محلية في الداخل عن الركب، فتآكلت الثقة بالحكومة وأجهزة الاستخبارات والإعلام والخبرة المتخصّصة في السياسة الخارجية.

تحوّلت التعبئة ضدّ عدو خارجي إلى تطرّف في مواجهة أعداء داخليين. وبات ممكناً تصوير المهاجرين والقضاة والصحافيين والعلماء والخصوم السياسيين على أنهم تهديدات وجودية. عندئذ تبدو التسوية خيانة، وتبدو كلّ انتخابات معركة أخيرة.

لم تجعل هجمات "11 سبتمبر" أزمة الديموقراطية الراهنة قدراً محتوماً، لكنها كرّست تركّز السلطة في يد الجهاز التنفيذي، وسياسات الطوارئ، واستخدام الخوف أداةً للحكم. وتضيف السياسة النرجسية مفارقة أخرى: نحن أعظم أمّة، لكن لا يستطيع إنقاذنا سوى قائد قوي واحد.

 

منطقة أُعيد تشكيلها ونفوذ أميركي يتراجع

دخلت الولايات المتحدة القرن وهي تتمتّع بحرية تحرّك لا مثيل لها، استُنزف جانب كبير منها في أفغانستان والعراق. أزاحت إطاحة صدام حسين حاكماً وحشياً، لكنها أزالت أيضاً قوة موازنة لإيران. واتّسع هامش تحرّك القوى المسلّحة من غير الدول، واشتدّت الخصومات، وأصبحت واشنطن في الأذهان مرادفاً لقوة كاسحة، لكن ببصيرة سياسية محدودة.

كشف الانسحاب من كابول في 2021 حدود القوة العسكرية. وتعلّم شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أن الانخراط الأميركي قد يكون كثيفاً، لكنه يفتقر إلى الثبات، وأن أولويات واشنطن قد تتبدّل فجأة. وشجّع ذلك سياسات التحوّط وتنويع الشراكات، وعزّز نظاماً إقليمياً يزداد احتكاماً إلى منطق الصفقات.

 

الشرق الأوسط أكثر من مجرّد ساحة

تعاملت القوى الخارجية مع الشرق الأوسط دائماً بوصفه ساحة لمكافحة الإرهاب وأمن الطاقة والتنافس بين القوى الكبرى. وكثيراً ما بدا أبناؤه في نظرها مخاطر ينبغي إدارتها، لا مواطنين يملكون القدرة على الفعل السياسي، ولديهم تطلّعات اقتصادية وحقّ في حكم خاضع للمساءلة.

لا يمكن فرض نظام إقليمي مستدام من الخارج. فهو يتطلّب مؤسسات فاعلة، وسيادة، ومواطنة جامعة، وديبلوماسية، وتعاوناً اقتصادياً. وينبغي للشراكات مع الخارج أن تبني القدرات المحلية، وأن تعطي الأولوية لإعادة الإعمار والتعليم والصحة العامة والمياه والطاقة وفرص العمل، على حساب العسكرة الدائمة.

والاتّساق في المواقف لا يقلّ ضرورة. فلا بدّ من إدانة الإرهاب أياً يكن المستهدَف، وحماية المدنيين أياً تكن جنسياتهم. ولا يجوز اختزال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في جبهة ضمن حرب عالمية على الإرهاب؛ فالاحتلال، وانتزاع الأرض والممتلكات، وانعدام الأمن، والحرمان من الحقوق السياسية، لا تزال تغذّي عدم الاستقرار. فالأمن من دون أفق سياسي ذي صدقية ليس سوى فسحة بين أزمة وأخرى.

 

الدرس الحقيقي من 11 أيلول

استدعت الهجمات ردّاً حازماً، وكان لا بدّ من شلّ قدرة "القاعدة" على العمل. لكن الدفاع الضروري تحوّل إلى مشروع مفتوح الأمد لإعادة تشكيل المنطقة. وفي الشرق الأوسط، يتجلّى هذا الإرث في مؤسسات محطّمة، وسكان مهجّرين، وسياسة خاضعة للمنطق الأمني، وشكوك في ادّعاء الغرب أن قيادته تستند إلى المبادئ.

مع ذلك، ليست المنطقة مجرّد ضحية. فهي تضمّ أجيالاً شابة متعلّمة، وطاقات ريادية، وتقاليد مدنية، ومطالب متجدّدة بالكرامة وحكم خاضع للمساءلة. وقد أظهرت الانتفاضات العربية أن المواطنين لم يكونوا يريدون عدمية «القاعدة» ولا الوصاية الأجنبية، بل صوتاً سياسياً، وعدالة اجتماعية، ودولة مدنية حديثة.

على الولايات المتحدة أن تستبدل استعراض القوة بانخراط منضبط. وعلى حكومات الشرق الأوسط أن تبني الأمن من خلال الشرعية والمؤسسات القادرة والحوار الإقليمي، بدلاً من القمع أو الصراعات بالوكالة. وعلى جميع الأطراف أن تحمي الناس من العنف من دون التفريط في القانون والكرامة وقدرتهم على الفعل السياسي.

لعلّ هذا هو الدرس الأهمّ بعد 25 عاماً على "11 سبتمبر": لا تُقاس قوة الديموقراطية بتحرّرها من الخوف، إنما برفضها أن يحكمها الخوف.

 

* باحث في العلوم السياسية وخبير في الشؤون الأميركية

 

 

 11  سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).
11 سبتمبر… هل يتكرر؟ (تصميم النهار).

 

"11 سبتمبر… هل يتكرر؟" - ملف خاص من "النهار"

في ربع قرن، ضعفت الجماعات الجهادية، تراجعت قدراتها الجماعية، لكنها ما تزال تشكل خطراً، لكن أما زالت قادرة على تنفيذ هجمات مشابهة لهجمات "11 سبتمبر"؟

 

1- جورج عيسى: هل من 11 سبتمبر آخر في الأفق؟

2- باسل العريضي: ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم

3- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: ربع قرن على 11 سبتمبر: من "القاعدة" إلى إرهاب بلا مركز

4- جاد فياض: مخيمات أطفال "داعش": قنابل موقوتة تنتظر التوظيف السياسي؟

5- يحيى شمص: سجون الجهاديين... هل تعيد إنتاج "داعش" أم تكسر دائرة التطرف؟

6- عقيلة دبيشي: أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟

7- راغب ملّي: مكافحة الإرهاب بعد عشر سنوات... الذكاء الاصطناعي على جانبي المواجهة

8- عبد الرحمن أياس: من التبرعات إلى الذهب والجباية... كيف تغيّر اقتصاد الجماعات الجهادية بعد 11 أيلول؟

9- خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب

 

 

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 8:05:00 PM
وزارة الطاقة تؤكد أن القرار المتعلق بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأقل من 1.5 ميغاوات موقت، ولا يستحدث تكاليف إضافية على المواطنين.
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.