الثلاثاء - 30 نيسان 2024

إعلان

سميرُ الأحلام

المصدر: النهار - نجيب العطّار
أحدّقُ حائرًا في ذلك الوجه.. أتأمّلُ صفحاته في محاولة بائسة منّي لأستلهم عينيه القلقتين
أحدّقُ حائرًا في ذلك الوجه.. أتأمّلُ صفحاته في محاولة بائسة منّي لأستلهم عينيه القلقتين
A+ A-
أحدّقُ حائرًا في ذلك الوجه.. أتأمّلُ صفحاته في محاولة بائسة منّي لأستلهم عينيه القلقتين.. أحاول أن أربط بين حروف اسمه وبعضٍ من المعنى.. فأتّهمُه بسرقةٍ مشروعة لثلاثة أحرف من اسمه؛ سرقَ السين من السِّحر.. والميم من الجمال.. والياء من الياسمين.. وحدها الراء لم يسرقها.. إنّما هي عربونُ عشقٍ من الحرّية التي وجدتْ فيه حبيبًا تتقاسم معه حرفَي الراء.. فكانت حرّية سمير قصير خفيفة رقيقة كالحلم.. هنا أقول إنّه الجمالُ الساحرُ لياسمين الحرّية.. أو أنّه سِحرُ ياسمينِ الحرّية الجميل...
لكن الحلمَ، بوصفِه قاضيًا، يُسقطُ عن سمير تهمةَ سرقةِ المعنى.. وإن كانت مشروعةً لأنّ المسروقَ منه هو قضايا إنسانيّة عاش سمير قصير لأجلها.. ومات لأجلها.. هنا أدركُ أنّه حين كان يبحثُ عن المعنى صار هو معنى من المعاني.. وفي هجرته إلى الأفكار، أو هجرة الأفكار إليه، صار سمير فكرة...
لم يعد سمير قصير هو سمير قصير.. بل صار حلمًا يسكن العقول المتمرّدة رغمًا عنها.. فهو لا يُذكّرنا فقط بحقّنا الضروري في أن نحلم.. بل يؤكّد لنا أنَّ الوقت المناسب للجهر بأحلامنا هو حين يكون هذا الجهر مكلفًا.. وحين تضيع الأحلام في ثنائيّة الثمن والقيمة...
وصار سمير فكرة، أصبحتِ اليومَ ضروريّة للخلاص، حين أكّدَ على حقّنا، نحن العرب، في أن نتأمّل في شقائنا.. وعلى حقّنا الضروريّ في أن نكون لا كما كنّا، وإنّما كما ينبغي لمن كان مثلنا أن يكون اليوم...
لعلّ السؤال عن القاتل بـ"من قتل؟" يجعل الوصول إليه غير ممكن.. فالقاتلُ – بالضرورة - ليس عاقلًا حتى نسأل عنه بـ"من.." ليُسارعَ إلى أذهاننا سؤالٌ لعلّه أكثر دلالة على القاتل؛ لماذا قُتل سمير قصير؟
سيقول القاتل على لسان غيره: "كان سمير يحلم أحلامًا مفخّخة يمكن أن تنفجر في صنم ظلامنا المقدّس وتبدّده.."؛ وتبديد الظلام حلمٌ يُعاقبُ عليه القانون...
ولعلّه من شقاء العرب أن الضحية تُسألُ، وتُساءَل، بدلًا من الجلّاد.. والقاتل لم يزل يفكّر في أن قتل الأحلام يكون بقتل الحالمين.. ويظنُّ أنّ القنابل تنتصر على الأحلام.. فهو لا يعرف أن بعض الأحلام تدخل الملكوت حين تشربُ، في الكتاب الأخير، كأسَ نبيذٍ من دم المسيح.. أو أنّه يعرفُ ويظنّ.. وبعض الظنّ قتل...
لا أرغب، الآن، في ألّا أكونَ عربيًا شقيًا.. فالشقاء، الآن، يفتحُ لي بابًا إلى هذه الكلمات.. سأكون شقيًا لصفحة أو صفحتين فأسألُ الضحيّة لماذا قتلت؟
لماذا قتلتَ يا سمير؟ هل كان تفاؤلُكَ، الغريب في ملامحك، هو الذي فجّر القنبلة المحشوّة بالظلام والحقد على الحالمين والأحلام؟ أم أنّ قاتلكَ هو حقًا من أراد تقليص المسافة بين التواجد والوجود؟
وكيف يُقتل من عشق بيروت، فعشقته، حين كان العشق لعنةً على كلّ ما هو ماديّ؟ أم أن القتلَ هو السبيل الوحيد لكي يتحوّل سمير قصير إلى فكرة؟
أم قُتلَ لأنّه كان يحلم بأن يكون لبنانُ دولةً قائمةً بذاتها؟ أم لأنّه عاش في بيروت التي رآها عاصمةً لحدودٍ أكبرَ من هذه الأرضِ التي لم ترتوِ بعدُ من دم الحالمين؟
لعلّه قُتل لأنّه تأمّل في شقائنا في زمنٍ لم يأذنْ طغاتُه للعقول في أن ترى شقاءَ العرب شقاءً.. زمنٌ كانت فيه المساواة الوحيدة المسموح بها هي أن وطنيّتنا وقوميّتنا تساويان "أن ننعمَ بشقائنا".. تلك المساواة التي يقدّمها الطغاة على طبقٍ من الخوف والجهل المقدّس...
ولعلّ سمير قصير لم يُقتل فقط لأنّه كتبَ المستقبلَ كما رآه هو، وكما نعيشه نحن.. إنّما قُتل لأنّه كان أهلًا للحوار.. وسميرًا للأفكار.. ولأنّه كان أهلًا لأن يحلم...
سمير.. من قال إن لكَ دمًا بشريًّا؟ إنّما هو دمٌ ملائكي نثرتهُ بيروت على قبّة الصخرة وصليب القيامة.. وسقت به ياسمين دمشق الذي راح يتفتّح حين حلّ الربيع في بيروت...
لم يتغيّرْ ذلك الزمان كثيرًا.. بل ازدادَ إجرامًا وعبثيّة.. مع فارقٍ صغير لإعطاء القتل نكهة الحداثة، إذ صار القتل في هذا الزمن أكثر جماعيّة ودبلوماسيًّا في أقذر أنواع الدبلوماسيّة؛ تلك التي تكون فيها دماء المثقّفين والباحثين عن الحقيقة التي تتجلّى في الفكرة تارةً وفي رغيف الخبز، الذي صار ممنوعًا، تارة أخرى.. دماء هؤلاء كلّهم أصبحت أوراقًا في كازينو السياسة اللبنانيّة ذات النكهة العربيّة الشرق أوسطيّة...
غرسَ سمير الحلمَ ولم يرحل بعيدًا.. فهو منشغلٌ بمقارعةِ النسيان نيابة عن لبنان الرسالة.. وعن حقّ الياسمين الدمشقيّ في الحياة.. وعن فلسطين؛ الحلم الثمل بخمر الشقاء والمترنّح بين احتلال واحتلال.. وعن الحلم العربيّ المتقلّب بين اختيال واغتيال...
وهكذا، في ليل الحريّة المرسومة بالدم، أشرق سمير قصير شمسًا لا يمكن أن تغيب.. سرقَ، برقّة الحلم وقوّة الحقيقة، لقبَ سميرِ الأحلام.. فسامرَها حتى نعستِ الحياة في عينيه.. فكتبَ الصفحة الأخيرة من كتاب خلوده.. ونام تاركًا الأحلام تقارعُ الظلام الآن.. وإلى الأبد...

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم