الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

فنّيّةُ الموتِ

المصدر: النهار
فاطمة علي سليمان
فنّيّةُ الموتِ
فنّيّةُ الموتِ
A+ A-

"لا فائدةَ من الحياة،

إنّها ملهاة عبث،

ومأساةُ انتحار".

يجبُ على كلٍّ منّا أن يروّض نفسه لمفهوم الانتحار البعيد عن مدلوله السّلبيّ، والمحتكم بسوائل التّراجيديا العبثيّة،

من أجل أن يحملَ صخرة سيزيف سعيدًا،

وهو على جناح إيكاروس...

الانتحار والموت سيّان، نحن نموت كلّ يوم، وبشكلٍ خفيّ، نخضعُ له بكامل عنادنا، وبعللنا الأربع، لا نشعر بدغدغاته الهشّة، الّتي تستمر بالحفر طويلًا في جلدنا حتّى نتلاشى بكامل ذرّاتنا. نتلاشى وكأنّنا غبارٌ منزوٍ -لا يبان - في غياب الشّمس. إن لم نصدّق الموت ونقترب منه بشكلٍ بنادوليّ -هو يحبّ المجيء والإياب، السّلب والإيجاب، هو يحبّ التَّناقض، ولهذا فهو يحبُّنا- سنكون حرفيًّا في أحد ملاهي موليير أو برنارد شو، نضحكُ على أنفسنا بشكلٍ هزليٍّ، نرقصُ دائخين في حقولِ الآياهوسكا، نتقيّأ مهلوسين... من لا يصدِّقُ الموتَ فهو ينكرُ نفسه، ينكرُ وجوده، الموت حاسّة تكاملٍ بين الحواس، تدخل في صلب العمليّات الحسّيّة الإدراكيّة، واللّاإدراكيّة سيّان، في الأكل، في السّمع، في اللّمسِ، في النّظر... يؤازر الموتُ الجميلُ بين هذه العناصر الإنسانيّة، ليحقّق غايته، ويذهب بنا إلى الرّكن المجهول...

قفزةٌ حتميّة، لمجهولٍ حتميّ.

وإن كان متفلتًا من الوجودِ والماوراءِ والحِساب...

الموتُ خَلاص.

في إيديولوجيّات أخرى من الجانبِ الآخر لهذا العالم، فإنَّ الموتَ مرحلةٌ لنقلةٍ نوعيّةٍ تقمّصيّةٍ، أو قفزةٌ في أجساد أخرى لأزمنةٍ محمومة تغزوها النّسبيّات، لهذا ومنعًا لحصول التّقمّص الدّائخ، تُمارَس تقاليد حرقِ الجثثِ ورمي نثارها في حلقِ هذا الكونِ الفسيح.

لكن ماذا لو أعادَ مضغها، وإحياءها؟

وماذا لو أعدنا الصّياغة، وقلنا إنّ الانتحار تطهُّر، والموت حقًّا خلاص؟

المنتحر متدرّب على الموت، يبتلعه بشبق، يؤمنُ بفنّيّته ككلّ شيءٍ آخر، يتقنهُ بشكلٍ استثنائيّ، على حدِّ تعبير سيلفيا بلاث.. المنتحر قادرٌ على أن يرى اللّون الثّامن من ألوانِ الطّيف السّبعةِ، وأن يراها ببياضٍ متمازجٍ على خلاف غيره. المنتحر كائن ودود، يخافُ من الحياة، يقبلُ على الله بكل جرأةٍ واستسلام، قلقٌ، مثلّثٌ، وسطيٌّ، مدبّب، يمشي بلا أرجل، يرى العالم بالمقلوب، شخصٌ حيّ أكثر من اللّازم.

الحيّ الأكثر حياة، والميت الأقلّ موتًا.

ثمّ الحيّ الأقلّ حياة، والميت الأكثر موتًا، بعد ممارستهِ طقسه الأخير.

الكثير يظنّ أنّه قربان ستونهنج، لكنّه بعيدٌ عن هذه المفاهيم الّتي يتجرّد منها بانسلاخٍ حادّ بينه وبين عالمِ الأكاذيب الملفّقة. أجل هو يبذل نفسه لفهم الموت أكثر، والتّوسع معه، والدّخول لدائرة الإبتلاع المزدوج.

الذّاتُ والآخرُ.

المنتحرُ أنانيٌّ بنظرِ البشر العاديّين، المنتشرين بكثرةٍ، لكنّه وإن فضّل الموت كيلا ينتهي بانفجارٍ سكّانيٍّ، فهو قد منحَ حياةً أخرى، مقعدًا شاغرًا لشخصٍ قد يغزوهُ الأملُ في واحةِ اليأس.

الموتُ نبوءة... حقيقة، ينتقضُ من يلفظه على أنّه تهمة -بكل صمته وهدوئه -.

الموتُ خلاصٌ..."





الكلمات الدالة