المونة اللبنانية... من حيلة بقاء إلى إرث فاخر
تُشكل المونة اللبنانية أكثر من مجرد مواد غذائية مُدخرة في أوانٍ زجاجية وفخارية داخل نملية البيوت القروية؛ إنها فلسفة وجودية كاملة، صاغتها الطبيعة وحاجات الإنسان العربي على ضفاف المتوسط عبر آلاف السنين. فبين لقمة "الكشك" العتيقة وزجاجة "ماء الزهر" المقطرة بنفحات الورد الجوري، تُختزل حكاية شعب طوّع جغرافية الجبال والسهول لإنشاء نظام غذائي مستدام يجمع بين الهندسة المناخية المعقدة والروابط الاجتماعية الراسخة.
جذور ضاربة في عمق التاريخ: من الفينقيين إلى العصر العثماني
تضرب المونة جذورها العميقة في تربة شرق المتوسط منذ العهد الفينقي، حيث ابتكر الإنسان اللبناني التقنيات الأولى لتجفيف الفواكه واستخراج زيت الزيتون الصافي، وحفظه في أوانٍ فخارية تُعرف بـ "الأمفورا" للتجارة البحرية. ومع تحول سهل البقاع خلال العصر الروماني إلى "أهراء الشرق" ومزود إمبراطورية روما بالقمح الصلب، وُضعت الأسس الأولى لصناعات البرغل والفريكة والتخمير الطبيعي.
ولاحقاً، وخلال الحقبة العثمانية وتشكُّل المجتمع الجبلي، تحولت المونة إلى أداة للتحرر الاقتصادي والأمن الغذائي؛ حيث كان الفائض الزراعي يُحوَّل إلى ادخار يضمن صمود العائلات أمام ليالي الشتاء الثلجية القاسية، ويحميهم من جشع الأسواق وتقلبات السياسة وتداعيات الأزمات الممتدة.
وتضيء دراسات على الملمح التاريخي السياسي لتشكل المونة، على غرار كل شيء في لبنان، إذ لم تكن وليدة رفاهية أو مجرد عادة طهوية، بل نشأت نتيجة حاجة ماسة للنجاة خلال فترة الحكم العثماني، حين فرضت الضرائب الباهظة وساد عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. اضطرت الأسر الريفية آنذاك إلى الاعتماد كلياً على تقنيات حفظ الطعام لتجاوز فصول الشتاء القاسية وانعدام الأمن.
ولم يتوقف هذا الرهان، بل استمرت المونة مع كل الحروب، والأزمات، والحصارات التي كُتب على اللبنانيين عيشها على مر السنين، فضلاً عن كونها ضرورة جغرافية فرضتها الأحوال الجوية في القرى والبلدات النائية التي تطوقها الثلوج.
هندسة مناخية دقيقة وحكمة بيوكيميائية فطرية
يتوزع عالم المونة اللبنانية وفق خريطة جغرافية وطبيعية متنوعة فرضتها البيئة المحلية:
سهل البقاع والبقاع الشمالي: ساد المناخ القاري الصارم، فنشأت المونة الصلبة المقاومة للزمن، كـ "الكشك البعلبكي" المصنوع من قمح البقاع الصلب وحليب الماعز، و"القاورما" المطهوة ببطء، إلى جانب المكدوس والبرغل بنوعيه.
الجبال المرتفعة (صنين والباروك والشمال): أثمرت وفرة الأشجار والأعشاب البرية عن مربيات التين والتفاح والكرز، وتجفيف الزوفا والقصعين والصعتر البري، وصناعة دبس الرمان.
الساحل والسطوح الوسطى: ازدهر كبس الزيتون واستخراج الزيت، بالإضافة إلى صناعة التقطير الاستثنائية لماء الزهر وماء الورد الجوري باستخدام "الكركة" النحاسية.
الجنوب اللبناني: تحولت التربة الحمراء إلى مصدر لإلهام إنتاج دبس الخروب العميق، والتين المجفف (المقود)، واللبنة المكبوسة بزيت الزيتون.
وقد اعتمد الفلاح اللبناني بحكمته العفوية أربع تقنيات علمية معقدة للحفظ الطبيعي دون معالجات كيميائية:
1. التخمير التجفيفي: كما في الكشك، حيث تُنتج بكتيريا حمض اللاكتيك بيئة حامضية تمنع نمو الميكروبات الضارة.
2. الحفظ بالدهون والزيوت: كما في القاورما واللبنة المكبوسة لإنشاء عازل تام عن الأكسجين.
3. الضغط الأسموزي المرتفع: عبر غلي عصائر الفواكه والرب بتركيز عالٍ لتقليل الرطوبة.
4. التقطير بالبخار: لاستخلاص الزيوت العطرية العازلة في مياه الورد والزهر.
.jpg)
ثقافة "العَونة" والضيافة
لم تكن المونة يوماً صنيعاً فردياً، بل تجسدت في طقس اجتماعي يتسم بالتكافل يُعرف بـ "العَونة"، حيث تتشارك النساء والعائلات حلقات العمل، مُشكّلات شبكة أمان اجتماعية غير مكتوبة، مع تطبيق مبكر لفلسفة "صفر هدر" في استغلال المحاصيل.
وفي حديث خاص، تؤكد الكاتبة والباحثة اللبنانية الأميركية باربرا مسعد، صاحبة كتاب "بيروت إلى الأبد"، أن كلمة "مونة" مشتقة من "المَنّ" والتخزين خلال موسم الوفرة، مشيرة إلى أن تحضيرها كان يتم في القرى النائية للتحوط سنة تقويمية كاملة.
وتوضح مسعد أن ما يميّز هذا المطبخ في المحصلة هو "توازنه الحيوي بين النكهات، وجذوره الثقافية العميقة، وكيف يعكس جغرافية لبنان المتنوعة وتاريخه وكرم ضيافته". وتتجلى هذه الفلسفة بأبهى صورها في "المازة اللبنانية"، التي تتجاوز كونها صحوناً صغيرة متراصفة، لتكون "فلسفة للضيافة، والمحادثة، والود". فالطعام في ثقافتنا ليس مجرد طاقة للجسد، بل هو ثقافة ومشاركة مع الآخرين.
خوف من الاندثار.. ومهمة للإنقاذ
رغم هذا الإرث الغني، لا تخفي الباحثة باربرا مسعد خوفها الشديد من اندثار مأكولات وعناصر تأسيسية من المطبخ اللبناني مستقبلاً، على غرار ما ضاع بالفعل في عقود سابقة نتيجة التمدن السريع وتغير نمط الحياة.
ومن هنا تنبع أهمية التوثيق بالكلمة والصورة؛ حيث تؤكد مسعد أن مؤلفاتها وتوثيقها الفوتوغرافي يأتيان في سياق "إبقاء هذه الذاكرة حية للأجيال المقبلة، ولضمان استمرار طهو أطباقنا التقليدية في منازلنا".
ولكن ما يبعث على الأمل، أن المونة اللبنانية اليوم تتجاوز حدود الحصانة الضيقة للمنزل القروي. فقد تحولت من وسيلة دفاعية لمواجهة البرد والعزلة إلى رمز يتعلق بالهوية، وعاطفة تربط المغتربين بأرضهم، وإلى منتج فاخر يتصدر قائمة "سياحة الطعام" والمنتجات العضوية المحلية.
.jpg)
نبض