"عولة الكسكسي".. مونة تونسية تقاوم الاندثار

طبخ 07-08-2026 | 06:14

"عولة الكسكسي".. مونة تونسية تقاوم الاندثار

يُعدّ الكسكسي أحد أشهر أطباق المطبخ التونسي والمغاربي، ولا يكاد يغيب عن المناسبات العائلية...
"عولة الكسكسي".. مونة تونسية تقاوم الاندثار
عولة الكسكسي في تونس ((Freepik)
Smaller Bigger

مع أولى لفحات الصيف، تبدأ ربات البيوت في تونس الاستعداد لمونة الشتاء. وفي أزقة المدن العتيقة وقرى الداخل، لا تزال رائحة السميد المبلل وصوت الغربال الخشبي يعلنان انطلاق موسم "عولة الكسكسي"، وهو أحد أقدم التقاليد الغذائية ذات الجذور الأمازيغية التي حافظ عليها التونسيون عبر الأجيال، رغم تراجعها تدريجاً في السنوات الأخيرة بفعل تغيّر أنماط الحياة وانتشار المنتجات الجاهزة.

في منزلها بأحد أحياء ضواحي العاصمة تونس، تستقبلنا السيدة فاطمة الزهراء وهي تستعد ليوم طويل من العمل. أمامها أكياس من السميد، وغرابيل خشبية بأحجام مختلفة، وآنية كبيرة تبدأ فيها رحلة إعداد حبات الكسكسي، في مشهد أصبح نادراً داخل البيوت الحديثة.

تقول بابتسامة: "تحضير عولة الكسكسي طقس قديم له قواعده وتقاليده، توارثناه عن أمهاتنا وجداتنا".

وتوضح أن الرحلة تبدأ باختيار أجود أنواع السميد، ثم غربلته للتخلص من الشوائب، قبل ترطيبه تدريجاً بالماء الممزوج بالملح مع تحريكه براحة اليد حتى تتشكل حبات الكسكسي الصغيرة.

وتضيف أن هذه العملية تستغرق ساعات طويلة وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والخبرة، إذ تُعاد الحبات إلى الغربال مرات عدة للحصول على حجم متجانس، ثم تُفرد على أقمشة بيضاء تحت أشعة الشمس لعدة أيام حتى تجفّ تماماً، قبل أن تُخزن في أوعية محكمة الإغلاق لتبقى صالحة للاستهلاك طوال العام.

وتستعيد فاطمة الزهراء ذكريات شبابها في قريتها بمحافظة القيروان، وسط تونس، قائلة: "كانت نساء القرية يتناوبن على إعداد الكسكسي بعضهن في بيوت بعض. كانت المناسبة أشبه بالعرس، تعلو خلالها أصوات الغناء والزغاريد، وتوزع الحلويات".

 

 

 

 

عولة الكسكسي في تونس (النهار)
عولة الكسكسي في تونس (النهار)

 

 

المونة في تونس تقليد يقاوم الاندثار

لكن تلك المشاهد، بحسب محدثتنا، بدأت تتوارى مع تغيّر أسلوب الحياة، إذ باتت كثير من ربات البيوت، وخصوصاً من الأجيال الشابة، يفضّلن شراء الكسكسي الجاهز بدلاً من صناعته في المنازل، وهو ما يثير مخاوفها من اندثار هذا الموروث برحيل النساء اللواتي لا يزلن يتقنَّ أسراره.

ورغم ذلك، لا تزال بعض الأسر، خصوصاً في مناطق الداخل، تتمسك بهذه العادة، حيث لا مكان على موائدها إلا لـ"الكسكسي الدياري" المصنوع في المنزل. ويرى مختصون في التراث الشعبي أن استمرار "العولة" مرهون بقدرة العائلات على نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة، باعتباره ممارسة ثقافية تعكس هويّة المجتمع التونسي وموروثه الثقافي الأمازيغي.

 

 

الكسكسي أشهر الأطباق التونسية

ويُعدّ تخزين كميات كبيرة من الكسكسي خلال فصل الصيف لاستهلاكها على مدار السنة من العادات الراسخة لدى كثير من الأسر التونسية.

ويُعدّ الكسكسي أحد أشهر أطباق المطبخ التونسي والمغاربي، ولا يكاد يغيب عن المناسبات العائلية، إذ يحضر في الولائم والأعراس والأعياد، وحتى في المآتم.
وفي تونس تحافظ أغلب العائلات على عادة طبخه مرة واحدة على الأقل كل أسبوع.
وفي عام 2020، أُدرج الكسكسي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو، في ملف مشترك بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، باعتباره جزءاً من الإرث الثقافي المشترك لشعوب المنطقة.

 

 

عولة الكسكسي في تونس (النهار)
عولة الكسكسي في تونس (النهار)

 

 

المونة التونسية تتجاوز الكسكسي

ولا تقتصر المونة ويطلق عليها بالعامية اسم "المونة" في تونس على "عولة" الكسكسي وحده، إذ يتحوّل فصل الصيف إلى موسم لتخزين مختلف المواد الغذائية التي تعتمد عليها الأسر خلال بقيّة أشهر السنة.

وتقول فاطمة الزهراء: "الكسكسي هو أساس العولة، لكننا أيضاً نعول برشا حاجات أخرى"، (أي نعد مونة لكثير من المواد الغذائية.)

وتوضح: "نجفف الفلفل الأحمر ثم نطحنه، ونحضر" الهريسة العربي"، كما نعد مختلف أنواع التوابل التي تمنح أكلاتنا نكهتها المميزة".

وقديماً كانت البيوت التونسية تضم غرفة يطلق عليها اسم "بيت المونة" يقع فيها تخزين كل المواد الغذائية التي تم تحضيرها في الصيف لاستهلاكها شتاءً.

ولا تقتصر مونة الصيف على ذلك، بل تشمل أيضاً الطماطم المجففة، والقديد، والأعشاب العطرية، في تقليد ارتبط قديماً بفكرة الاكتفاء الذاتي واستغلال وفرة المحاصيل الموسمية، قبل أن يتحول اليوم إلى جزء من الذاكرة الجماعية التي تكافح من أجل البقاء في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

الأكثر قراءة

العالم العربي 8/4/2026 10:21:00 PM
أثار تحذير نشره باحث سوري عن بركان كولومبو في بحر إيجه تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل، بعد ساعات من زلزال شعر به سكان عدة دول في شرق المتوسط. فما هو هذا البركان؟ وما حقيقة المخاطر التي يشكلها وفق الدراسات العلمية؟
المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
النهار تتحقق 8/5/2026 1:10:00 PM
تصريح منسوب إلى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. ما حقيقته؟
لبنان 8/6/2026 5:26:00 AM
بدءا من أيلول المقبل، سيصبح راتب النائب شهريا 5 آلاف دولار، نتيجة نقل اعتماد من احتياط الموازنة، عبر مرسوم، إلى صندوق تعاضد مجلس النواب، وسيتقاضى النواب الزيادة دفعة واحدة وليس بالتقسيط.