من شمس "قصرنبا" إلى مطاحن بعلبك: رحلة في خبايا الكشك البقاعي
تغمر شمس أواخر الصيف أسطح البقاع، لتبدأ معها حكاية لا يرويها التقويم، بل تُدرك بالرائحة. رائحة حامضة، زكية، تتسلل مع نسيم الصباح الباكر لتعلن أن موسم "الكشك" قد حلّ. في هذه الديار، ليس الكشك مجرد مؤونة تُدخر في القطرميزات للشوربة الشتوية، بل هو طقس أهلي يتضوع بألفة الضياع، ويختصر خمسة عشر يوماً من الصبر والنظافة وعرق الأيدي.
تتحرك السيدة بيان السيد أحمد الديراني "أم عدنان" على سطح منزلها في بلدة قصرنبا البقاعية كمن يمارس طقساً موروثاً منذ أجيال. تفرش قطع القماش البيضاء النظيفة ("الشّقَف") بعناية فائقة تحت أشعة الشمس المتوهجة. تنحني فوق جرار البرغل، لتبدأ الحكاية من حبة القمح نفسها؛ تُصول البرغل بالماء مرتين وثلاثاً وأربعاً، تغسله بيديها حتى يصفو الماء تماماً وتزول منه كل شائبة.
ترفعه إلى المصافي الكبيرة، صابرة عليه حتى يقطر منه آخر المطر، قبل أن تمده على القماش العريض ليلتهم حرارة الشمس نهارين أو ثلاثة، حتى يجف تماماً ويقسو بين الأصابع.

تتوقف أم عدنان لحظة، وتنظر إلى المدى المفتوح، وكأنها تستحضر ذاكرة العجَن القديم وصوت الأمهات: "كانوا يتعاونوا العيل مع بعض، ينطروا ليخلص السلق لحتى يشووا بطاطا وذرة تحت نار السلق، وكيف الأطفال تتقاتل لتاكل 'سليق القمح' الساخن مع السكر وماء الزهر".
البَلّ والعرك: حين يذوب اللبن في قلب البرغل
حين يتصلب البرغل ويصبح يابساً، يُفتح الباب للمرحلة الأهم، حيث تبدأ الحواس كلها بالتفاعل مع الخليط.
تُحضر أم عدنان سطول اللبن، وتبدأ بسكبها فوق البرغل ليتشربها حبة حبة. لكل بيت في البقاع ذوقه وهواه؛ هناك من يطلب لبن المعز الخالص لحموضته النافذة التي تلسع اللسان بأصالة، وهناك من يفضل لبن البقر الناعم الطري، أو مزيجاً يجمع قسوة الأولى بحلاوة الثاني.

يُضاف الملح البحري بعناية نحو 5 كيلوغرامات لكل 50 كيلوغراماً من الكشك ليحفظ الخابية ويضبط إيقاع التخمر.
على مدار أسبوعين تقريباً، تتحول الأواني إلى كائن حي تُقلبه أم عدنان يومياً بيديها. تفرك العجين، وتسقيه اللبنة شيئاً فشيئاً.
وعن سر اللون الأبيض الناصع للكشك، تبتسم وتستحضر خبرة السنين: "الشطارة ليست في العيار الجاف المقيد بالمكيال، بل في عين الست وحس كفيها؛ تظل تسقي العجين باللبن وتفركه حتى "يموج" طرياً ومرتاحاً تحت يدها".
في هذه الأيام، لا يكتفي أهل البيت والمحيط بالمشاهدة، بل يتحلقون حول الأوعية الكبيرة ليلتقطوا "البليلة"، ذلك البرغل الذي انتفخ بطراوة اللبن وحموضته الأولى قبل أن ينشف فيأكلون منها بشغف وطعم لا يُنسى.
تأتي بعد ذلك مرحلة التقطيع والفرك المبدئي؛ تُكور العجينة كرات صغيرة، وتُنشر على القماش لتجف قليلاً، ثم تبدأ الأيادي بفركها لتفتيتها.
وقديماً، قبل دخول الماكينات، كان هذا اليوم أشبه بعرس قروي؛ تدعو صاحبة البيت جاراتها، ويتصاعد الضحك والتحدي حول من تنعم جُرنها أكثر، وفي ختام النهار الشاق، يُقام غداء جماعي حافل بفطاير الكشك الساخنة المكسوة بالقاورمة البقاعية، إلى جانب المقتة الطازجة وأعقاد العنب.

في مطاحن بعلبك: الفجر الذي يطحن الشمس
من هواء قصرنبا المفتوح وشمس سطوحها، تحطّ المسيرة رحالها في قلب بعلبك، وتحديداً داخل المطحنة حيث تستقبل السيدة منال شمص الدفعات الأولى مع ساعات الصباح الأولى.
وسط هدير الماكينات وغبار الكشك الأبيض الناعم الذي يملأ الجو كرائحة العجين الطازج، تبدأ مرحلة جديدة من الفجر. تقول منال وهي تنقل الكشك بثبات: "من الساعة 5 الصبح بنطلع على السطح، بنضل نفرك لحتى ينشف تماماً ونقدر نطحنه بالمطحنة، ليصير كشك ناعم لحال، والحرابة وهي القشور والنخالة الناعمة لحال".
فيما تشير أم عدنان إلى أن سر القيمة الحقيقية لهذا الطبق لا يكمن في أسعار المكونات، بل في الجهد الإنساني المفرغ فيه: "الكشك مواده الأولية بسيطة وكتير رخيصة؛ برغل ولبن وملح متوفرين بجميعهن، بس الغالي فيه شو؟ تعبه! قعدة 15 يوم متواصلة.. بين بلّ وعرك وتمليح وتقليب تحت الشمس".

تؤكد أم عدنان أن الكشك كائن رقيق وحساس للغاية؛ يمتص أي رائحة محيطة به في لحظات، لذا يُحظر استخدام أي معطرات منزلية أو عطور بالقرب منه، ويحتاج إلى طهارة ونظافة مطلقة في كل شبر يُلمس فيه.
بعد الطحن في بعلبك، يعود الكشك بحرارته إلى البيت ليبرد، وفي الصباح التالي تُعيده أم عدنان إلى شمس قصرنبا لنهار أخير، ليتنفس الهواء ويطرد آخر قطرة رطوبة.
حينها فقط، حين تنزل الست عن السطح وبيدها بودرة بيضاء حامضة، ناعمة كالحرير ومحملة ببروتين الأرض واللبن الطبيعي، تطمئن إلى مؤونتها.
تتذوق طرف إصبعها، فتستشعر طعم خمسة عشر يوماً من الصبر والدفء والجهد المضني، وتعرف أن الشتاء المقبل سيكون دافئاً ومحتفياً بأصالة الدار.
نبض