في فلسطين... المونة تخزين وإدارة وتدبير
في ركن هادئ بعيد عن أشعة الشمس، كانت جدتي نهيل تخزّن مونة البيت لعام كامل، التي تبدأ بتحضيرها عادة مع نهاية فصل الشتاء، كان انتشار رائحة البرتقال والحمضيات من برتقال وليمون وكريب فروت واليوسف افندي والكلمنتينا والخشاش-بوصفير في البيت، يعتبر إعلاناً رسمياً عن افتتاح الموسم، كانت رائحة الحمضيات تملأ البيت أثناء برش قشورها وتقطيعها استعداداً لتحضير أنواع المربى المختلفة والشراب كذلك، كانت النتيجة محسومة انه يذيب القلوب لمذاقه المميز.
من الأرض مباشرة إلى التخزين
بعمر صغير نسبياً اكتشفت كنوز جدتي، واكتشفت ايضاً انها كانت"ملكة" تتوج على عرش مطبخها، واستحقت بجدارة ادارة اقتصاد العائلة. بالنسبة إلي"المراقب الدائم" و"المتذوق الأول"، كان وصول أبومحمود بلباسه العربي من دير جرير ورائحة الدخان العربي تسبقه في العادة، يعني بداية موسم الجبنة البيضاء الطازجة التي ستحولها جدتي إلى تحفة فنية، أما صعود أم محمد من حزما بثوبها الفلسطيني وملايتها البيضاء درج المنزل فكان ينبئ ببداية موسم الزبدة الطازجة التي ستحولها جدتي إلى سمن بلدي- واللبن المخيض لكرات بيضاء من الجميد، وحضور أم حمد بثوبها الرمادي والجردل الأسود كان يعني وصول الكثير من التين والصبر -التين الشوكي والبيض الطازج.

كانت كنوز جدتي عبارة عن مرطبانات زجاجية شفافة يتم تصفيتها بحسب أنواعها وألوانها بداخلها فواكه موسمية بمختلف أنواعها مصنوعة بدقة وخبرة احترافية وبكثير من الحب من التوت الأرضي- والمشمش مستكاوي-الكرز-السفرجل-ومعقود التين واليانسون والسمسم- مكتوب عليها بدقة تاريخ صنعها.
في إحدى غزواتي بحثاً عن الشوكولا والسكريات، اكتشفت في الركن أيضاً السماق والزعتر وزيت الزيتون والزيتون بأشكاله المخللات بأنواعها المكدوس والخيار والفقوس، ومختلف أنواع البقوليات إضافة للقمح والبرغل والفريكة والطحين، البامية والملوخية والبندورة المجففة والقاورما والكشك وكرات الجميد.
كنت أمازح جدتي التي كانت تقضي الكثير من وقتها في المطبخ "تاتا انتي كل إشي حرفياً عملتيه مربى ما عدا أنا وبابا"، كان ذلك بعد أن قامت بإحدى تجارب عمل مربى الباذنجان.
أشد حنكة من وزير الاقتصاد
بعد سنوات فهمت أن ما كانت جدتي تقوم به، لم يكن عادياً وكان يحتاج لخبرة ومعرفة لإدارة مصاريف البيت لم تعتمد في شراء المواد لتخزينها على كبار التجار، بل كانت زبونة دائمة للمزارعين البسطاء نساءً ورجالاً يحضرون لها بضائعهم، لم تكن ترضى بأقل من الجودة العالية مقابل السعر الذي يطلوبنه، شروطها بسيطة النظافة أولاً وتطعيم الحيوانات كان أساسياً خاصة ضد الحمى المالطية.
كانت تسجل حساباتها في دفترها الذي لم يفارقها حتى وفاتها.
مع الوقت تحولت العلاقة بينها وبين المزارعين إلى علاقة تفوق العادية بالتأكيد لا تقوم على علاقة التاجر بالزبون، فيها كثير من الاحترام والتقدير وتبادل الهموم اليومية والحياتية ودعوات لحضور زفاف الأبناء والأحفاد.
عندما كبرت أكثر استوعبت أنها كانت تدعم صغار التجار وترسل لهم زبائن آخرين ليستمروا، لم تكن جدتي وزيرة للإقتصاد أو الزراعة لكن ما كانت تفعله أهم بكثر مما يفعله أي من الوزراء اليوم.
كان الحل الأمثل لربة منزل فقدت عائلتها كل المدخرات والأملاك خلال النكبة، كان على جدي أن يبدأ من جديد، وعليها تدبير طلبات المنزل من المعاش الذي سيحصل عليه- فاتبعت نهج حالة الطوارئ الابتعاد عن اللحوم والدجاج والتركيز على البقوليات والأطباق المطبوخة بزيت الزيتون– اقتصاد الأزمات والحروب بدون أي تبذير أو مصاريف اضافية أونثريات عكس حكومتنا تماماً.
في حالة الإنفراجة أو الاستقرار الاقتصادي نوعاً ما كانت تسمح بشراء بعض الرفاهيات وكانت تمنحنا متعة اختيار نوع أو اثنين من الملذات، لم تتهور يوماً كما كانت دائماً تحتفظ بمخزون الغاز والكاز لذلك لم نشعر يوماً بنقصها-كما يحدث اليوم في الضفة الغربية، كانت جدتي ناجحة في إدارة اقتصادها الداخلي دون دين عام أو حاجة لاستقطاب تمويل، عكس الحكومة الحالية التي تكاد سياستها تتلخص في إدارة الأزمات بمعنى تعويد المواطن على وجود الأزمة دون إيجاد حل حقيقي لها.
في بلادنا حيث لا تنتهي الحروب ولا تختلف النكبة عن النكسة ولا الانتفاضة الأولى عن الثانية، وثلاثة أعوام من الحرب، فجميعها نتيجة حتمية لاحتلال طويل تهتم العائلات بتوفير احتياجاتها الأساسية خاصة من الطعام والشراب لضمان عدم انقطاعها بسبب الإغلاقات ومنع التجول والإضرابات.
لكنه تحول اليوم لما هو أبشع بكثير لهجمات يومية لميليشيا المستوطنين التي تسرق وتحرق وتستولي على آلاف الدونمات، تحرم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، هدفهم القضاء على الثروات الزراعية والحيوانية للفلسطينين في الضفة الغربية، والاستيلاء على ما تبقى لهم من أراضٍ ودفعهم للهجرة الطوعية والترانسفير.

حاكورة الفرح
قبل ستة أعوام وتحديداً خلال بداية الإغلاق العالمي بسبب انتشار فايروس كورونا، وجدت ميساء الخطيب "سيدة المسرح الفلسطيني" وعائلتها محجوزين في بيتهم الريفي في قرية كفرنعمة غرب رام الله.
ومع توقف العروض المسرحية والمهرجانات، قامت بزراعة الأرض التي تحيط بمنزلها، ومع نهاية الإغلاق كانت قد زرعت الأرض وبدأت تجني ثمار غرسها وبتوزيع المنتوج على الأصدقاء.
ثم بدأت تفكر بطريقة لتسويق منتجاتها والطريقة ووجدت أن الطريقة الأمثل من خلال أسواق المزارعين التي تنظمها بلديتي رام الله والبيرة وبعض المؤسسات التي تعنى بالمزارعين من أبرزها "سوق الحرجة".
إضافة إلى تطوير مشروعها "حاكورة الفرح"، بدأت بتحضير المونة بين الفصول وبالبحث عن الوصفات وأفضل الطرق لتخزين الخضروات والفواكه.
تقول ميساء لـ"النهار" إن ما يدعو الناس للإقبال على منتوجاتها، أنها خالية من الأسمدة والمواد الكيماوية طبيعية وطازجة دائماً كما أن الطعم مميز بفضل العناية المستمرة.
وأشارت "إلى أن مقاطعة البضائع الإسرائيلية دفعت الناس للبحث عن بدائل، وهذا خلق سوقاً فرصة للمزارع لترويج بضاعته".
تشتهر منتوجاتها بأنها مصنوعة بحب وعناية والكثير من الفرح، وتعتمد على زيت الزيتون في صناعة المونة الفلسطينية وتقوم اليوم ببيع البندورة المجففة والمطبوخة، وأنواع متعددة من الدبس العنب -التمر -الخروب -الرمان- البندورة والفلفل، خل التفاح والمخللات، المربى، الزعتر والسماق الأعشاب المجففة.
على مدار 6 أعوام تجد ميساء أن هناك إقبالاً على المونة الفلسطينية، لأن المصدر الأساسي عضوي بدون اصبغة أو ألوان أو أي مواد حافظة، كما أن جودة ونوعية المواد مميزة والناس دائماً تبحث عن الأفضل.
بين الزراعة وتحضير المونة، تحلم ابنة بلدة الخالصة واللاجئة في مخيم تل الزعتر في لبنان بالأرض، أم البدايات وأم النهايات حيث لا تنتهي الآمال ولا الأحلام.
نبض