هل التهديد الإسرائيلي باحتلال صيدا وصور والنبطية تهويل أو حقيقة؟
ما حقيقة التهديد الإسرائيلي الذي نقلته صحف عبرية باحتلال مدن جنوبية كبرى؟ وهل ذلك ممكن ميدانياً أو أنه تهويل متصاعد ضد لبنان؟
على وقع التهديدات المتصاعدة بعودة الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، وإن كان الحديث عن المفاوضات مستمراً، لا يزال لبنان مترجّحاً بين تصاعد العمليات الإسرائيلية، والإبادة العمرانية لبلدات الجنوب مع تدمير أكثر من 25 ألف وحدة سكنية في بلدات الحافة الأمامية وتجاوز نسبة التدمير الـ90 في المئة في 24 بلدة من أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية.
ووسط تفلت إسرائيلي وعدم اكتراث بالمطالب الرسمية اللبنانية التي تبدأ من وقف الاعتداءات وتصل إلى عودة الأهالي وإعادة الإعمار، تواصل تل أبيب تهديداتها للبنان مع تأكيدها عدم الانسحاب مما يسمى "المنطقة الأمنية"، وسط نية واضحة لتوسيع تلك المنطقة على غرار ما فعلته في بلدات المنصوري (صور)، وحداثا وبيت ياحون (بنت جبيل) التي ضمتها إلى "الخط الأصفر" بعد توقيع "اتفاق الإطار" في 26 حزيران/ يونيو الفائت.
لكن ما لفت في الساعات الأخيرة كان التهديد باحتلال صيدا وصور والنبطية، فضلاً عن فرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس.
تدمير شامل؟
يوضح العميد المتقاعد جورج نادر لـ"النهار" أن "احتلال المدن الكبرى يتطلب تدميراً شاملاً على غرار تدمير بنت جبيل والخيام، وأن القتال في المدن الكبرى سيكبد المحتل كلفة بشرية هائلة، وهذا ما يتلافاه الجيش الإسرائيلي".
ويلفت إلى أن "تهجير النبطية مكلف كثيراً، واحتلالها يحتاج إلى وقت أسوة بصيدا وصور، وقد يكون الإسرائيلي يخطط لذلك، لكن المؤشرات الميدانية تشي بأن ذلك يدخل ضمن التهويل، وإن كان غير مستبعد احتلال النبطية والوصول إلى جبل الريحان وسجد للإشراف على جزين وصيدا".
ولا يخفي نادر توجه الإسرائيلي للتصعيد مع مرحلة تأليف الحكومة الإسرائيلية، فضلاً عن ربط ملف لبنان بالإقليم.
من جهته يوضح العميد الركن المتقاعد بهاء حلال أن ما نشرته الصحيفة الإسرائيلية يستحق التعامل معه بوصفه مؤشراً لاتساع دائرة التخطيط الإسرائيلي للحرب المقبلة على لبنان، ولا سيما إذا تحولت المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
ولا يمكن اعتبار ما أُعلن مؤشراً عملانيا لصدور قرار إسرائيلي نهائي باحتلال المدن الثلاث.
ويشير إلى أن "احتلال صور وصيدا والنبطية في حال دخول حزب الله المواجهة، لا يأتي من فراغ، فقد سبق لتل أبيب أن هددت باحتلال مناطق إضافية في محيط النبطية ونهر الليطاني وتحويلها إلى منطقة أمنية إسرائيلية دائمة، إذا انضم حزب الله إلى مواجهة إيران".
هذا التسلسل ينقل الخطاب الإسرائيلي من التهديد بتوسيع المنطقة العازلة جنوباً إلى طرح سيناريو يستهدف مدناً لبنانية ذات قيمة جغرافية وسكانية واقتصادية ووطنية.
أخطر ما في التهديد الإسرائيلي
لكن أخطر ما في التهديد الإسرائيلي هو احتلال عاصمة الجنوب وتجاوز خط المواجهة الحدودي ومحاولة فرض واقع عسكري في عمق الجنوب.
فهل التهديد باحتلال هذه المدن جدي؟ وهل يمكن السيطرة عليها؟
يوضح حلال أن السيطرة على المدن الثلاث تتطلب تأمين مداخلها ومحاور الوصول إليها، والسيطرة على العقد الجغرافية والطرق الرئيسية، إضافة إلى ضمان خطوط الإمداد والاتصال للقوات المتقدمة، ومواجهة المقاومة المسلحة داخل بيئة عمرانية معقدة.
وفق تلك القراءة، لا يبدو التهديد الإسرائيلي سهل التحقيق نظراً إلى العوامل التي ذكرها الخبراء العسكريون، وبالتالي فإن احتلال المدن الكبرى خلال الاجتياحات السابقة لم يكن لفترات طويلة. ففي بيروت لم يستمر الاحتلال إلا لأيام معدودة، واضطر الجيش الإسرائيلي إلى الانسحاب في 28 أيلول/ سبتمبر 1982، وفي صور مُني بهزيمة قاسية مع مقتل عشرات جنوده وضباطه في التفجير الشهير لمقر الحاكم الإسرائيلي في مثل هذه الأيام من العام 1982، وعليه فإن ترجمة ذلك التهديد تبقى ضمن الحملة النفسية، وإن كان ما يقوم به الجيش الإسرائيلي راهناً قد قطع بأشواط كل ما كان يمكن تخيله، ويواصل ارتكاب أكبر إبادة عمرانية في حق الجنوب، وهو أمر يوازي ويفوق بأضعاف احتلال مدن كبرى.
نبض