تقع مدينة النبطية في محافظة النبطية اللبنانية، وهي إحدى أهم مدن جنوب لبنان، وعاصمة محافظة النبطية، وتُعد المركز الإداري والتجاري والثقافي لمنطقة واسعة من جبل عامل.
تقع على بعد نحو 70 كيلومتراً جنوب بيروت، وتشكل نقطة وصل بين قرى الجنوب والساحل اللبناني.
النبطية غنية بالمعالم الأثرية، بينها قلعة الشقيف المطلة على المدينة، وسوق الاثنين، وجامع النبطية القديم، وكنيسة السيدة.
يعرف عن مناخها أنه معتدل طوال العام، إذ ترتفع فيها درجات الحرارة قليلا في فصل الصيف، وتنخفض في الشتاء.
لماذا سميت بالنبطية؟
تتعدد الروايات حول أصل تسمية مدينة النبطية. فبحسب إحدى الروايات، يعود الاسم إلى الأنباط الذين تركوا إرثاً حضارياً بارزاً في المنطقة الممتدة إلى البتراء. أما الرواية الثانية فترجّح أن التسمية مشتقة من عبارة "نبط الماء"، أي تفجّره وتدفّقه، في إشارة إلى وفرة الينابيع التي عُرفت بها المنطقة منذ القدم.
تعداد السكان
تُعد النبطية من أكبر المدن اللبنانية، إذ تحتل المرتبة الخامسة من حيث عدد السكان. ويشكّل المسلمون الشيعة الغالبية السكانية فيها، إلى جانب وجود مكوّنات سنية ومسيحية أسهمت في تكوين النسيج الاجتماعي المتنوع للمدينة.
غارة إسرائيلية تدمّر منزل سعد الزين الأثري. (النهار)
جذور النبطية
تعود جذور النبطية إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث كشفت الدراسات الأثرية عن وجود آثار تعود إلى حضارة القرعون والعصر الحجري، يتراوح عمرها بين خمسة آلاف وعشرين ألف سنة قبل الميلاد. كما عُثر على فؤوس وأدوات حجرية مصنوعة من الصوان على أعماق مختلفة، يعود تاريخ بعضها إلى ما بين ثمانية آلاف وخمسة عشر ألف سنة قبل الميلاد.
وشهدت المدينة تعاقب حضارات عدة، من الفينيقيين إلى الرومان والبيزنطيين، وهو ما تؤكده المغاور والكهوف والمدافن والطرق المرصوفة المنتشرة في محيطها. وخلال الحقبة العثمانية، برزت النبطية كمركز إداري مهم في جنوب لبنان، قبل أن تتبع بعد الانتداب الفرنسي لقضاء صيدا ثم لمحافظة الجنوب، وصولاً إلى إنشاء محافظة النبطية.
وعلى امتداد العقود الماضية، كانت النبطية في قلب الأحداث الأمنية والعسكرية التي شهدها الجنوب اللبناني. فقد تأثرت بعملية الليطاني عام 1978، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وعمليتي "تصفية الحساب" عام 1993 و"عناقيد الغضب" عام 1996، إضافة إلى حرب تموز 2006. وخلال هذه المحطات دفعت المدينة أثماناً بشرية ومادية كبيرة، تمثلت بسقوط ضحايا وتهجير آلاف السكان وتدمير أجزاء من بنيتها التحتية.
كما بقيت النبطية عرضة للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة مع كل تصعيد تشهده المنطقة، ما جعلها رمزاً للصمود والتشبث بالأرض رغم التحديات المتواصلة.
مخيم النبطية
مخيم النبطية
يقع مخيم النبطية على تلة مرتفعة تبعد نحو ثلاثة كيلومترات غرب المدينة، وتبلغ مساحته نحو 13 ألف متر مربع. أُسس عام 1956 لاستقبال لاجئين فلسطينيين قدم معظمهم من منطقة الحولة والجليل الأعلى في فلسطين.
وضم المخيم أبناء قرى عدة أبرزها الخالصة والناعمة والقيطية وعين الزيتون وصلحا وهونين وسحماتا. وقد تعرّض لاعتداءات إسرائيلية متكررة، بدأت بتدمير أجزاء منه عام 1969، قبل أن يُدمّر بالكامل عام 1974، ما أدى إلى نزوح سكانه نحو مخيمات ومناطق لبنانية عدة، بينها عين الحلوة والبداوي وتل الزعتر وشحيم.
شخصيات بارزة
أنجبت مدينة النبطية على مرّ تاريخها عدداً من الشخصيات التي تركت بصمات بارزة في مجالات العلم والأدب والفكر، وأسهمت في تعزيز مكانة المدينة على المستويين اللبناني والعربي. وقد برز أبناء النبطية في ميادين الابتكار والبحث العلمي واللغة والثقافة، محققين إنجازات تجاوزت حدود الوطن ووصلت إلى العالمية. ومن بين أبرز هذه الشخصيات المخترع والعالم حسن كامل الصباح، الذي عُرف بإسهاماته العلمية الرائدة، والأديب واللغوي أحمد رضا، الذي أغنى المكتبة العربية بمؤلفاته وأبحاثه اللغوية والأدبية.
حسن كامل الصباح
حسن كامل الصباح
يُعد حسن كامل الصباح من أبرز المخترعين والعلماء اللبنانيين. وُلد في النبطية عام 1895، ودرس الفيزياء في الجامعة الأميركية في بيروت قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته وعمله العلمي. انضم إلى شركة "جنرال إلكتريك"، حيث ساهم في أبحاث واختراعات رائدة، وسجّل عشرات براءات الاختراع، لا سيما في مجالي الطاقة الشمسية والتقنيات الكهربائية. شكّلت ابتكاراته أساساً لتطبيقات استُخدمت لاحقاً في استكشاف الفضاء. توفي عام 1935 إثر حادث سير في الولايات المتحدة، تاركاً إرثاً علمياً جعل منه أحد رواد الابتكار العرب في القرن العشرين.
أحمد رضا
يُعتبر أحمد رضا من أبرز علماء اللغة والأدب في لبنان. وُلد في النبطية وتلقى علومه الأولى فيها، قبل أن يتوسع في دراسة اللغة العربية وآدابها.
ترك رضا مؤلفات بارزة، أبرزها "متن اللغة العربية" في خمسة مجلدات، إلى جانب كتب "رد العامي إلى الفصيح" و"هداية المتعلمين" و"روضة اللطائف". كما نشر العديد من الدراسات والمقالات الأدبية واللغوية.
توفي عام 1953 متأثراً بإصابته خلال تظاهرة انتخابية في النبطية، بعدما أمضى حياة حافلة بالعطاء الفكري والثقافي.
أبرز المعالم
تزخر مدينة النبطية بمعالم تاريخية ودينية وتراثية تعكس عمق تاريخها وتنوعها الثقافي عبر العصور. فمن القلاع الأثرية التي شهدت على حضارات متعاقبة، إلى الأسواق الشعبية التي لا تزال تحافظ على نبض الحياة اليومية، وصولاً إلى المساجد والكنائس التي تجسّد غنى النسيج الاجتماعي للمدينة، تشكل هذه المعالم جزءاً أساسياً من هوية النبطية ومكانتها كواحدة من أبرز مدن الجنوب اللبناني.
قلعة الشقيف (النهار)
قلعة الشقيف
تُعد قلعة الشقيف من أشهر المعالم التاريخية في جنوب لبنان. تقع على مرتفع صخري يشرف على نهر الليطاني وسهل مرجعيون، ويعود تاريخها إلى العصور القديمة، قبل أن يطوّرها الصليبيون ويُرمم أجزاء منها الأمير فخر الدين المعني الثاني في القرن السادس عشر.
سوق الاثنين
يشكل "سوق الاثنين" أو "سوق الوحدة" أحد أبرز معالم النبطية الاقتصادية والتراثية. وتعود جذوره إلى العصر المملوكي، حيث كان ملتقى للتجار والوافدين من لبنان وفلسطين وسوريا. ولا يزال حتى اليوم مركزاً حيوياً للحركة التجارية، تُعرض فيه المنتجات الزراعية والسلع الاستهلاكية المتنوعة.
الجامع القديم
يقع الجامع القديم في حي السراي، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ويُعد من أقدم المساجد في المدينة وأبرز معالمها التراثية.
كنيسة السيدة
شُيدت كنيسة السيدة عام 1898 في حي الميدان، وتُعتبر من أقدم الكنائس في جنوب لبنان. وتمثل شاهداً على التنوع الديني والثقافي الذي ميّز المدينة عبر تاريخها.
الاقتصاد
يرتكز اقتصاد النبطية على الزراعة والتجارة والخدمات. وتشتهر المنطقة بزراعة التبغ والخضروات والفواكه بفضل أراضيها الخصبة.