هل يُعاد إحياء "ورقة برّاك" والخطوة مقابل خطوة؟
بعد أخذ فريق لبناني بنظرية أن لبنان مشمول بمندرجات مذكرة التفاهم التي أبرمت أخيرا بين إيران والولايات المتحدة، وأن هذا التطور لن يكون عائقاً أمام استكمال مسار التفاوض الذي انطلق قبل فترة بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية مباشرة، ثمة من يستنتج أن السمة الأساسية للمرحلة المقبلة ستكون احتدام الصراع بين الاتجاهين اللذين يتنازعان الرأي العام في البلاد.
لم تكد تمر ساعات قليلة على توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية حتى خرج الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم ببيان مكتوب ومسجل، حدد فيه رؤية الحزب للمرحلة التالية، فأعاد التركيز على أنه ليس في وارد تسليم سلاحه مستقبلا، وأن على السلطة التراجع عن المفاوضات المباشرة المرفوضة من جانبه.
همّ السلطة ضمان الانسحاب
توازياً، لم تضيّع السلطة الوقت، إذ جددت على لسان الرئاستين الأولى والثالثة ما يؤكد أنها ماضية قدماً في ما بدأته، وأن همها الأساسي ضمان الانسحاب الإسرائيلي من المناطق الجنوبية التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية.
ويستند هذا الاتجاه إلى مبدأ أن لبنان سيد نفسه في التفاوض وإبرام التفاهمات، ولن يقبل بمن يقدم نفسه مفاوضاً عنه، وقد بدأت الحكومة رحلتها العملانية لتحقيق الانسحاب وإعادة الأمور إلى سابق عهدها في الجنوب منذ أن أقرت ورقة كان قدمها إليها الموفد الأميركي الخاص إلى بيروت توم برّاك منتصف الصيف الماضي.
والعماد الأساسي لهذه الورقة هو "خطوة مقابل خطوة"، أي أنه في مقابل أي خطوة انسحاب تنفذها إسرائيل على الأرض يقترض بلبنان أن يقدم خطوة مماثلة، والترجمة العملانية لهذا المبدأ أن أي بقعة جغرافية تخليها إسرائيل، على لبنان أن يسارع إلى ملء الفراغ الأمني فيها بنشر وحدات من جيشه بعد ضمان انسحاب مقاتلي الحزب وتنظيف تلك المناطق من أي وجود لهم عبر تسليم السلاح والتحسينات والأنفاق وما إلى ذلك من مرابض مدفعية وصواريخ.
والواقع أن مندرجات تلك الخطة التي تضمنتها الورقة اعتمدت مبدأ المراحل الزمنية الأربع التي يفترض بنهايتها أن تعود الأمور إلى طبيعتها في الجنوب عبر ترتيبات وإجراءات أمنية يتفق عليها بين الطرفين.
جدوى الورقة
إذا كان ثمة من يرى ضرورة إعادة إحياء العمل بهذه الورقة وخطواتها التدريجية باعتبارها الأضمن والأسرع، خصوصا أنها ستتم بإشراف أميركي مباشر، وأن لبنان لم يقدم أي صيغة بديلة حتى الآن، فثمة من يسأل عن جدوى هذه الورقة وصلاحيتها وقابليتها للتنفيذ حاضرا ومستقبلا في ضوء التطورات والمستجدات الميدانية الأخيرة، وخصوصا بعد 2 آذار الماضي.
فيوم تسلم لبنان تلك الورقة، كانت إسرائيل تحتفظ فقط بخمسة مواقع لها في الأراضي الجنوبية الحدودية، ولم تكن القوات الإسرائيلية قد دخلت هذا العمق جنوباً، واحتلت ما يقدّر بنحو 20 في المئة من مساحة الجنوب، فضلا عن تهجير أكثر من مليون و200 ألف جنوبي، مما أباح لها التحدث عن شروط وترتيبات أمنية جديدة، خصوصا لجهة تفكيك بنية الحزب العسكرية.
لا ينكر مقربون من الحكم أن المنطلقات الأساسية لهذه الورقة يراها لبنان صالحة ولمصلحته ما دامت تضمن ما يطالب به لجهة تحقيق انسحاب إسرائيلي ضمن مهلة زمنية محددة. ولكن ماذا عن الإسرائيلي الذي يروج صراحة لفكرة أن ما بعد 2 آذار غير ما قبله عنده؟ واستطراداً، ماذا عن "حزب الله" الذي ما زال يعلن يومياً أنه ليس في وارد تقديم أيّ تنازلات للسلطة، وأنه مصرّ على مواقفه المعلنة؟
نبض