المعركة المفصلية... هوستوميل ونجاة أوكرانيا
"يملك الجميع خطة إلى أن يتلقوا لكمة".
يمكن نقل تجربة الملاكم السابق مايك تايسون من الحلبة وتطبيقها على الحروب (والحياة بشكل عام). صباح 24 شباط/فبراير 2022، افترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومعه جزء من الغرب، أن بإمكان موسكو إخضاع كييف في بضعة أيام، عبر خطة مُحكمة. ما سقط في بضعة أيام كانت الخطة نفسها.
صدمة كييف
عند نحو السادسة صباحاً من ذلك اليوم، استهدف صاروخا "كروز" قاعدة في بلدة مغمورة: هوستوميل. ضمت الأخيرة مطاراً يُعرف باسمها، أو باسم "أنطونوف" نسبة إلى شركة طائرات الشحن الشهيرة. يحتوي المطار على مدرج بطول 3500 متر وعرض 56 متراً بالإضافة إلى عدد من المباني الإدارية وعنابر وجهاز رادار. وميزة المدرج كانت في تسليحه بالخرسانة مما جعله مثالياً لاستقبال طائرات النقل الكبرى.
هدفت روسيا إلى السيطرة على المطار واستخدامه لبناء جسر جوي ينقل آلاف الجنود الروس مع آليات عسكرية إلى كييف، من أجل إسقاط القيادة الأوكرانية بشكل سريع بعد شلّ صناعة القرار فيها. تبعد العاصمة عن المطار نحو 25 كيلومتراً. اللافت للنظر أن أوكرانيا توقعت انطلاق الهجوم الأساسي في دونباس، فحرّكت الجزء الأكبر من عناصر "اللواء الرابع للرد السريع" ضمن الحرس الوطني باتجاه الشرق، وتركت القاعدة الجوية بيد أفراد من الحرس يفتقر معظمهم إلى الخبرة القتالية. دافع فقط 200 عنصر تقريباً عن المطار.
بعد ضرب عدد من المنصات الدفاعية، تحركت نحو 34 مقاتلة روسية من بيلاروسيا عند التاسعة والنصف صباحاً، وهي تحمل وحدتين نخبويتين من القوات الروسية المحمولة جواً (VDV). أسقطت النيران الأوكرانية مروحيتين لدى مرور المجموعة بالقرب من منشأة لتوليد الطاقة شمال كييف. وصلت المروحيات إلى المطار عند الساعة الحادية عشرة صباحاً.

وأسقط مقاتل أوكراني مروحية روسية فائقة التطور من طراز "كا-52"، بسلاح سوفياتي قديم محمول على الأكتاف (إيغلا)، مما رفع معنويات المدافعين. لكن وسط التفوق العددي للمهاجمين ونفاد الذخيرة لدى المدافعين، تراجع الأوكرانيون وسيطر الروس على المطار عند الواحدة بعد الظهر تقريباً، بعدما فقدوا نحو سبع مروحيات. مع ذلك، لم تكن المعركة الفعلية قد بدأت.
القرار المفاجئ
كانت الوحدتان اللتان سيطرتا على المطار تنتظران الدعم من نحو ألف جندي (وربما أكثر) تنقلهم 18 طائرة شحن من طراز "إيل-76"، انطلاقاً من مطار بسكوف الروسي. لكن لأسباب محتملة عدة، من بينها الصعوبات التي واجهها الروس في هوستوميل واحتمال التعرض لمزيد من الخسائر الجوية، تم إلغاء الدعم بينما كان في الأجواء البيلاروسية. في هذا الوقت، أدركت القيادة العسكرية الأوكرانية أن هجوم هوستوميل كان معداً لإسقاط الحكم. لذلك، أرسلت عناصر من ثلاثة ألوية أساسية إلى المطار، من بينها لواء ميكانيكي استعان بشاحنات المدنيين للوصول إلى وجهته. وشارك لواء جورجي في الدفاع عن المطار.
عند الثالثة والنصف، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي تطويق المطار وبدء القصف المدفعي والجوي. عند التاسعة مساء استعادت أوكرانيا السيطرة عليه. لكن النتيجة كانت موقتة. ففي اليوم التالي، ومع وصول القوات الروسية المتقدمة في محور تشيرنوبيل، استعادت موسكو السيطرة على المطار. لكن بحلول ذلك الوقت، كان الأوان قد فات. فقبل انسحابهم، قصف الأوكرانيون المدرج مجدداً حتى أخرجوه من الخدمة... وبدأوا بإخراج كييف من عين الخطر.
بالرغم من أن المعارك حول العاصمة استمرت حتى آخر آذار/مارس من تلك السنة، شكّلت هوستوميل إحدى أهم المحطات المفصلية طوال فترة الحرب. فهي التي عرقلت الهجوم الروسي السريع على العاصمة، مما دفع الجيش الروسي إلى الاعتماد حصراً على الغزو البري الذي لم يكن مهيّأ له.
في 25 شباط/فبراير، أعلن الجيش الروسي سقوط نحو 200 قتيل أوكراني من القوات الخاصة في معركة هوستوميل. بينما ذكرت "نيويورك تايمز"، في كانون الأول/ديسمبر من السنة نفسها، مقتل نحو 300 جندي روسي في تلك المعركة.
خلاصات الانتصار
استهانت روسيا بقدرات أوكرانيا وبعزمها على الدفاع عن نفسها مأخوذة بنظرية الجذور الواحدة للشعبين الروسي والأوكراني كما بمعلومات استخبارية مغلوطة إلى جانب أسباب أخرى. كذلك استخف الأوكرانيون بالمعلومات الاستخبارية الأميركية التي سبقت الحرب والتي أبلغها إياهم مدير "سي آي إيه" وليام بيرنز في كانون الثاني/يناير 2022، ومن ضمنها الخطة المرجحة باستهداف هوستوميل. لكن الأوكرانيين كانوا سريعين في التكيف. فبمجرد أن راقب القادة في كييف تطورات مطار أنطونوف، أدركوا أنهم أمام نسخة مكررة من عمليات سوفياتية وروسية سابقة، كما حصل في براغ سنة 1968 وبريستينا (كوسوفو) سنة 1999، والقرم سنة 2014 وغيرها.

كانت الخطة الروسية مبنية على تجارب ناجحة بمعظمها، لكنها قللت بشكل محتمل من شأن القادة العسكريين الأوكرانيين الذين تلقوا تدريبات سوفياتية. يقال إن القائد السابق للجيش الأوكراني الجنرال فاليري زالوجني قرأ كل كتب نظيره الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف.
يذكر تقرير في "معهد الحرب المعاصرة" التابع للأكاديمية العسكرية الأميركية، أن معركة كييف، بما فيها هوستوميل، كانت واحدة "من أكثر المعارك الحَضَرية حسماً في التاريخ المعاصر". ويضيف مفارقة أخرى: لم يعنِ كسبُ المعركة نهايةَ الحرب، لأن تلك النهاية كانت ستنجم على الأغلب عن خسارة هوستوميل.

في 2026، يستعيد العالم تلك المعركة على وقع العملية العسكرية الشبيهة للجيش الأميركي ضد الرئيس نيكولاس مادورو، مما يعني أن هذه العمليات تظلّ جزءاً لا يتجزأ من الحروب الحديثة. من المرجّح أن يكون إخفاق الروس في كييف سبباً في استخلاص الأميركيين لبعض الدروس العملانية وتطبيقها في كاراكس، وربما لاحقاً، في إيران. لكن بينما استفاد الجيش الأميركي مجاناً منها، فرضت تلك الدروس كلفة هائلة على الجيش الروسي، بحيث سيحتاج إلى أعوام طويلة للتعويض عنها.
عودة إلى مايك تايسون... وغيره
ليست فكرة الملاكم السابق جديدة، لكن اسم تايسون جعلها أكثر شعبية. ثمة مقولة شبيهة، وفي الواقع أكثر انطباقاً على الميدان العسكري، لقائد الجيش البروسي الأسبق هلموث فون مولتكه الأكبر (1800-1891). فقد كتب مولتكه محذّراً من خطورة التصورات المتصلّبة: "ما من خطة عملانية تنجو من أول احتكاك مع... العدو".
بمعنى آخر، تمتلك غالبية الخطط مدة صلاحية قصيرة نسبياً. في الحالة الروسية، دامت المدة بضع ساعات وحسب. منذ ذلك الحين، يعاني الجيش الروسي في الابتكار، على الأقل عندما يُقارَن بعدوّه الأصغر حجماً. الحل الوحيد – إذا كان بالإمكان تسميته حلاً – للضعف المتأصل في الخطط العسكرية الأساسية هو المزيد من خطط الطوارئ حتى لو بدا الطارئ قليل الاحتمال.
يبدو أن هذا ما نجحت به أوكرانيا في كييف وغيرها. فالخطط الفرعية تمنح صاحبها إحدى أهم المزايا الحيوية في الحروب: امتلاك خيارات أكثر من خيارات العدو.
نبض