2022 تكشف عيوب الجيش الروسيّ
Smaller Bigger

لو قيل في كانون الثاني (يناير) أو شباط (فبراير) 2022 إنّ روسيا ستفشل في احتلال أوكرانيا في حال قرّرت غزوها، لاعتبر أيّ متلقّ هذا الكلامَ ضرباً من الجنون. كانت روسيا متفوقة على أوكرانيا في جميع الأرقام المرتبطة بالقوّة العسكريّة: عشيّة الغزو أو "العمليّة العسكريّة الخاصّة" بحسب التسمية الروسيّة، تمتّعت روسيا بأكثر من 900 ألف عسكريّ نشط في الخدمة، مقابل 361 ألفاً لدى أوكرانيا. وبلغ الإنفاق العسكريّ الروسيّ سنة 2020، 61.7 مليار دولار مقابل 5.9 مليار في أوكرانيا. على سبيل المثال أيضاً، كان لدى موسكو أكثر من 17 ألف دبابة مقابل أقلّ من 400 لكييف وأكثر من 4400 مدفعيّة مقابل نحو 300 لدى الجيش الأوكرانيّ.

 
الجيش الروسي يستعدّ لاحتفالات يوم النصر 2022 (أ ب)

 

إلى جانب ذلك، كان التحديث والإصلاح اللذين خضع لهما الجيش الروسيّ بعد 2008 عاملاً إضافيّاً في تكوين انطباع عام عن تطوّر القوّات الروسيّة. لحظة انطلاق الحرب، تحدّث البعض عن أنّ الجيش الروسيّ حوّل نفسه إلى "آلة قتال فتّاكة". بالتالي، لم يكن مستغرباً أن يعرض البيت الأبيض على الرئيس فولوديمير زيلينسكي في بداية الحرب نقله بشكل آمن إلى خارج البلاد. في ذلك الوقت، كانت الاستخبارات الأميركية تتوقّع سقوط كييف في غضون 96 ساعة. جاء ردّ الرئيس الأوكرانيّ واضحاً: "أنا أحتاج إلى ذخيرة لا إلى رحلة" بحسب السفارة الأوكرانيّة في بريطانيا. قد يكون هذا القرار نقطة الانعطاف الأساسيّة في تاريخ أوكرانيا المعاصر، وربّما في تاريخ الجيش الروسيّ.

 

حين لاحظ البعض صعوبة إطعام الدبّ

كانت التوقّعات بتعثّر الجيش الروسيّ في أوكرانيا نادرة، لكنّها لم تكن معدومة. أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة سانت أندروز فيليب أوبراين كان من بين أوّل من شكّكوا بقدرات القوّات الروسيّة. رأى أوبراين أنّ سبباً أساسيّاً في عدم دقّة تحليلات ما قبل الحرب هو تركيزها على السلاح. بالفعل، كثيراً ما يقيس القادة السياسيّون والعسكريّون قدراتهم بالاستناد إلى حجم أساطيلهم وقواتهم والتدريبات ودورات التحديث، لكنّهم غالباً ما ينسون عناصر أخرى مثل الحماسة والشعور القوميّ ومعيار عسكريّ آخر بالغ الأهمّيّة.

 
رتل عسكريّ روسيّ مدمّر في أوكرانيا (أ ف ب)  

 

خلال تفسير سبب إخفاق الجيش الروسيّ في أوكرانيا، كرّر خبراء عسكريّون مقولة "المبتدئون يتحدّثون عن الاستراتيجيات والمحترفون عن اللوجستيات". بالفعل، قلّة تحدّثت عن العقبات اللوجستيّة التي ستواجه الجيش الروسيّ في حال قرّر شنّ غزو واسع النطاق. لكنّ البعض لفت إليها أواخر 2021.

 

تحت عنوان "إطعام الدب: نظرة أقرب إلى لوجستيّات الجيش الروسيّ والأمر الواقع"، عدّد الضابط السابق للنمذجة والمحاكاة في مجال الاختبار وتطوير المفاهيم للجيشين الأميركيّ والأطلسيّ اللفتنانت-كولونيل أليكس فيرشينين تلك العقبات: يعتمد الجيش الروسيّ في الغالب على السكك الحديديّة لنقل الإمدادات خصوصاً إلى الأعداد الهائلة للمدفعيّات التي يملكها. وتوقّع أن تواجه حتى الشاحنات المخصّصة لهذه المهمّة نقصاً في القدرة على حمل الكمّيّة المطلوبة من الإمداد كلّما زاد التوغّل العسكريّ عن نحو 140 كيلومتراً. كما أنّ الجيش الروسيّ لا يمتلك ألوية دعم كافية في الأساس.

 
صواريخ "جافلين" تساعد الأوكرانيّين في استهداف الأرتال العسكرية الروسية.(الصورة لوكالة أ.ب. عن تدريبات على استخدامها.)   

 

لهذه الأسباب وسواها، استبعد فيرشينين أن تتمكّن روسيا من السيطرة على مناطق شاسعة من خلال دفعة واحدة. بالفعل، كان لاعتماد روسيا على السكك الحديديّة في نقل إمداداتها تداعيات سلبيّة على قدرتها في إدارة الحرب. على سبيل المثال، استطاع الأوكرانيّون تحرير القسم الأكبر من خاركيف أوائل أيلول الماضي بعدما نجحوا في السيطرة على كوبيانسك وهي المركز الوحيد لخطّ السكك الحديديّة التي توفّر الإمدادات للجيش الروسيّ في شمال شرقي أوكرانيا.

 
قصف روسي على خاركيف (أ ب)       

 

وكانت القافلة الشهيرة التي امتدّت ستين كيلومتراً شمال العاصمة كييف في بداية الحرب من دون إحراز أيّ تقدّم يذكر على مدى أسابيع أوّل علامة إلى سوء اللوجستيّات الروسيّة. لقد عانى الروس في الواقع حتى في تزويد مركباتهم بالوقود وجنودهم بالطعام.

 

من عيوب الخطّة

ارتكبت روسيا العديد من الأخطاء التي فاقمت هذه العقبات. فهي شنّت الهجوم على محاور متعدّدة الأمر الذي صعّب التنسيق بين المهاجمين وقلّل من فاعليّة "مجموعات الكتائب التكتيكيّة" المتقدّمة. عمليّاً، كانت هناك خطوط تقدّم متنوّعة أدّت إلى خوض الروس سلسلة من الحروب المنفصلة حيث تمتّع كلّ محور بهيكليّة قياديّة خاصّة به ومن دون آليّات تساعد تلك الخطوط على التنسيق ومشاطرة الموارد، بحسب الأستاذ الفخريّ لدراسات الحرب في كلّيّة الملك بلندن لورنس فريدمان. وكان فريدمان قد أعلن بعد يومين على انطلاق الغزو أنّ "روسيا خسرت المبادرة".

 
دبابة روسية محطمة في تروستسيانتس (أ ب)

 

وفشلت روسيا في حشد ما يكفي من القوات المقاتلة لاحتلال أوكرانيا والتي عادة ما تقدّر النسبة المطلوبة لتحقيق النجاح فيها بثلاثة مهاجمين إلى مدافع واحد. وصل العدد الإجماليّ للقوّات التي شاركت في المناورات والتدريبات قبل إطلاق الهجوم إلى نحو 190 ألفاً مقابل نحو 300 ألف لدى أوكرانيا. علاوة على ذلك، لم يدرك الجنود الروس المشاركون في المناورات ما إذا كانوا على وشك شنّ هجوم واسع النطاق أو أنّهم في طور خوض مناورات عسكريّة شبه اعتياديّة، خصوصاً أنّ تلك المناورات تأرجحت بين فصلي الربيع والخريف من سنة 2021. إذا كانت روسيا تريد من خلال المناورات إبقاء الغرب في حالة تكهّن فإنّ الجيش الروسيّ نفسه لم يستطع الإفلات من هذه الحالة بسبب سوء الإعداد النفسيّ.

 

وحصلت روسيا على معلومات استخباريّة خاطئة بشأن رغبة الأوكرانيّين بالصمود والقتال في حال تعرّضوا للغزو. أرجع خبراء تلك المعلومات إلى أسباب محتملة عدّة، منها القراءة الخاطئة لاستطلاعات الرأي والنقص الكبير في الكفاءة لدى الاستخبارات الروسيّة وتغيير المعلومات بهدف إرضاء الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين.

 

نقاط ضعف متأصّلة

من مكامن ضعف الجيش الروسيّ الفساد الذي استشرى فيه على مدى عقد، حيث رأى البعض أنّ الإتيان بوزير الدفاع الروسيّ الحاليّ سيرغي شويغو مكان أناتولي سيرديوكوف سببه أنّ الأخير أطلق عمليّة إصلاح لم تعجب منتجي الأسلحة وقد صنع الكثير من الأعداء في موسكو. وكان لمجلّة "إيكونوميست" رأي مشابه حين أقيل سيرديوكوف سنة 2012 بناء على تهم فساد وُجّهت إليه شخصيّاً قبل أن يحصل على عفو بعد نحو عام ونصف العام على إقالته. اللافت للنظر هو أنّ عيوباً كثيرة ظهرت في الجيش الروسيّ حين شنّ الحرب الخاطفة ضدّ جورجيا سنة 2008. هذه العيوب هي التي أطلقت عمليّة الإصلاح بقيادة سيرديوكوف.

 
الرئيس فلاديمير بوتين وبجانبه وزير الدفاع السابق أناتولي سيرديوكوف (أرشيف أ ب)

 

ويبدو أنّ عزل الجيش الروسيّ عن الرقابة التشريعيّة "ثقافة" تعود إلى الرئيس السابق بوريس يلتسن بحسب الخبير في شؤون الحدّ من الانتشار أوستين رايت. وممّا ذكره رايت، إلى جانب آخرين كثر، افتقاد الجيش الروسيّ للمرونة في اتّخاذ القرارات حيث يعجز الضبّاط غير المفوّضين عن اتّخاذ قرارات ميدانيّة حاسمة بشكل عام. أدّى ذلك إلى اضطرار عدد من الجنرالات لتفقّد الميدان بشكل شخصيّ لإيجاد الحلول المناسبة للبطء العسكريّ الأمر الذي تسبّب باغتيالهم في نهاية المطاف.

 
جندي أوكراني أمام دبابة روسية مدمّرة (أ ب)    

 

ووجد مدّعون عامّون روس أنّ الحجم الإجماليّ للفساد في الجيش الروسيّ وصل سنة 2019 إلى نحو 100 مليون دولار، بينما كانت تقارير غربيّة وحتى روسيّة تتحدّث عن تلقّي الجنود الروس حصصاً غذائيّة منتهية الصلاحية منذ سنوات وعن حصولهم على نوعيّة سكن وغذاء أسوأ ممّا هي عليه داخل السجون. ولفت آخرون إلى أنّ بعض المسؤولين الروس اختاروا الاستفادة من شراء "إطارات صينيّة رخيصة"، ممّا عزّز احتمالات غرق المركبات الروسيّة في الوحول الأوكرانيّة. دفع ذلك الروس إلى تجنّب سلوك الطرقات غير المعبّدة وهو ما قلّل من قدرتهم على تجنّب الكمائن. أمّا تلك التي علقت في الوحول فقد تمكّن الأوكرانيّون من دمجها في ترسانتهم.

 

منظومة بانتسير-أس 1 الروسية عالقة في الوحول وسط تساؤلات مراقبين غربيّين عن نوعيّة الإطارات (تويتر)

 
ضربات ضدّ الهيبة العسكريّة الروسيّة

كانت الإخفاقات العسكريّة الروسيّة على مستويات عدّة واضحة المعالم مثل الفشل في السيطرة على كييف وكامل دونباس وحتى الاحتفاظ بالمدن التي احتلّتها وأهمّها خيرسون. لكن أبعد من ذلك، تلقّت روسيا ضربات كثيرة اعتُبرت موجّهة للهيبة الروسيّة مثل خسارة طرّاد موسكفا وتفجير جسر القرم وخسارة جزيرة الثعبان وعمليّات الاستهداف التي طالت قواعد عسكرية في الداخل الروسيّ. وكان فشل إطلاق الصواريخ بسبب الأعطال الفنّيّة حاضراً أيضاً. فقد واجهت الصواريخ الروسيّة الموجّهة بدقّة فشلاً خلال الشهر الأوّل على انطلاق الغزو وصلت نسبته إلى 60 في المئة بحسب ما قاله مسؤولون أميركيّون لوكالة "رويترز". لكنّ وزارة الدفاع الروسيّة وصفت الحديث عن الفشل بأنّه "بروباغندا مضلّلة" وفقاً للوكالة نفسها.

 
فيديو يزعم مواجهة صاروخ أرض-جو روسيّ عطلاً طارئاً ممّا جعله يرتدّ إلى مكان قريب من القاعدة التي انطلق منها 
  
 

لعب الدعم العسكريّ والاستخباريّ الغربيّ دوراً أساسيّاً في الصمود، ثمّ في التقدّم الأوكرانيّ. لكنّ الأوكرانيّين أيضاً أظهروا براعة في استثمار الأسلحة الغربيّة كما الأسلحة السوفياتيّة أو الروسيّة التي كانت أو أصبحت في حوزتهم. وأظهروا أيضاً مهارة وسرعة في استيعاب التدريبات الغربيّة حتى أنّ شنّ الهجمات العكسيّة كتلك التي مكّنتهم من استعادة السيطرة على خاركيف يستغرق عادة ما لا يقلّ عن ستّة أشهر من التدريبات العالية الكثافة. وسط انشغال الأوكرانيّين بالقتال على جبهات عدّة، وجد مراقبون أنّه يصعب على الأوكرانيّين الانخراط في هكذا تدريبات وهم ملتزمون الدفاع عن حدودهم.

 

شهران يفصلان العالم عن دخول الحرب الأوكرانيّة عامها الثاني ولا يبدو أنّ الروس أقرب إلى تحقيق أهدافهم. ربّما استطاعت موسكو من خلال التعبئة الجزئيّة التي أطلقتها أن توقف قليلاً من الاندفاعة الأوكرانيّة باتّجاه الشرق. لكنّ الساعات القليلة الماضية حملت أنباء عن اقتراب الأوكرانيّين من كريمنينا وضعف زخم القوات الروسيّة باتّجاه باخموت.

 

رهانان... ونتيجة مؤكّدة

مع تجمّد الأرض خلال الشهرين المقبلين، قد يكون بالإمكان استشراف تجدّد في حدّة المعارك بين روسيا وأوكرانيا. ربّما تراهن موسكو على أنّ تصحيح الخلل الذي شاب إعلان التعبئة الجزئيّة قادر على تعديل موازين القوى مجدّداً لمصلحة روسيا خصوصاً مع نقل مسؤوليّة توفير الإمدادات للجيش الروسيّ إلى البيروقراطيّة المدنيّة. بينما يراهن الأوكرانيّون على أنّ استمرار الدعم الغربيّ وتفوّق معنويّاتهم وحتى نوعيّة البزّات الشتويّة التي يرتدونها ستصبّ أكثر في مصلحتهم. مهما كانت نتيجة الحرب، يبدو أنّ تآكل قوّة الجيش الروسيّ والصورة التي رُسمت بشأنها هما الواقع الوحيد المؤكّد لغاية اليوم.

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/21/2026 11:56:00 PM
غراهام: على ترامب المضي ضد إيران والتراجع سيكون كارثة… والمنطقة على أعتاب تغيير تاريخي
العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.