من التبرعات إلى الذهب والجباية... كيف تغيّر اقتصاد الجماعات الجهادية بعد 11 أيلول؟
لرقابة المالية التي أعقبت هجمات عام 2001، إلى جانب انتشار الحروب وتراجع سلطة بعض الدول، ساهمت في دفع الجماعات الجهادية إلى توطين مواردها. أصبحت الجباية والتهريب والخطف واستغلال المناجم أهم من التحويلات الخارجية، فيما بقي دور العملات الرقمية دون ما توحي به شهرتها.
قبل هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، ارتبط تمويل الجماعات الجهادية بصورة رجل ثري أو جمعية خيرية أو حقيبة أموال تعبر الحدود. لم تكن الصورة خاطئة تماماً، لكنها كانت مبسطة. استفادت هذه الجماعات من تبرعات الأفراد وشبكات المغتربين وبعض المؤسسات التي أُسِيء استخدامها، إلى جانب الحوالات غير الرسمية ونقل النقد وبعض الأنشطة والشركات التجارية التي استُخدِمت لتوليد الدخل أو إخفاء حركة الأموال.
اعتمد تنظيم "القاعدة" على شبكة دولية من جامعي الأموال والوسطاء، وقُدِّرت ميزانيته السنوية قبل الهجمات بنحو 30 مليون دولار. لكن التحقيقات اللاحقة فنّدت الاعتقاد بأن أسامة بن لادن كان يمول التنظيم وحده من ثروة شخصية ضخمة. كان المال يأتي بدرجة أساسية من متبرعين وشبكات اجتماعية ودينية، ثم يُنقَل إلى قيادة مركزية لتمويل المعسكرات والسفر والرواتب والعمليات.
بعد الحادي عشر من أيلول، شددت الحكومات الرقابة على المصارف والجمعيات الخيرية والتحويلات الدولية، وجمدت أصول أشخاص وجهات مشتبه بها. أصبح نقل مبالغ كبيرة عبر النظام المالي الرسمي أكثر صعوبة. لكن هذه الإجراءات لم تجفف التمويل بقدر ما غيّرت شكله، خصوصاً مع اندلاع الحروب وتراجع سلطة الدول في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا.

المال يتبع الأرض
دفعت الملاحقة المالية وتغير خريطة النزاعات الجماعات إلى اللامركزية. لم تعد فروع "القاعدة" تنتظر الأموال دائماً من القيادة المركزية، بل أخذت تبحث عن موارد في ساحات عملها. ومع الحروب في العراق وسوريا واليمن والصومال والساحل، اكتشفت التنظيمات أن السيطرة على طريق أو مدينة أو منجم قد توفر دخلاً يفوق ما يصلها من متبرعين بعيدين.
بلغ هذا النموذج ذروته مع تنظيم "داعش"، الذي جمع، خلال سيطرته على مناطق واسعة من العراق وسوريا، بين عوائد النفط والجباية ومصادرة الممتلكات وتحصيل الرسوم من التجارة والزراعة وحركة الأفراد والبضائع. وكان الاستيلاء على أموال وموجودات المصارف مورداً كبيراً لكنه غير قابل للتكرار، بينما وفرت الجباية دخلاً أكثر انتظاماً.
ولا تزال جماعات مثل "حركة الشباب" في الصومال تفرض رسوماً على الشركات والمزارع والمركبات والمواشي والبضائع. وتمتد شبكة التحصيل إلى مناطق لا تسيطر عليها الحركة عسكرياً في صورة كاملة، مستفيدة من التهديد والعقاب وعجز الدولة عن حماية مواطنيها.
المناجم والتهريب والخطف
أصبح التعدين المحلي وغير النظامي مورداً مهماً في أجزاء من الساحل ووسط أفريقيا وموزمبيق. لا تحتاج الجماعات إلى استخراج الذهب بنفسها؛ قد يكفي أن تسيطر على المنطقة أو طريق النقل، ثم تفرض رسوماً على المنقبين والناقلين والتجار. ويمتاز الذهب بسهولة حمله وبيعه وإدخاله في الأسواق القانونية بعد مروره بسلسلة من الوسطاء. وتستفيد الجماعات أيضاً من تجارة الفحم والأخشاب والمواشي والوقود والسجائر والأسلحة والمخدرات، ومن تهريب البشر. وفي حالات كثيرة، لا تتولى التهريب مباشرة، بل تحصل على المال من العصابات في مقابل المرور أو الحماية.
هذه العلاقة تكشف عن تداخل متزايد بين الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنه لا يعني بالضرورة اندماج الطرفين. فلكل منهما أهدافه، لكن المصالح تلتقي: توفر العصابات المال والخبرة والطرق السرية، فيما توفر الجماعات المسلحة الحماية أو السيطرة على الأرض. ويظهر هذا التداخل بوضوح في الخطف. قد تنفذ جماعة مسلحة عملية احتجاز للحصول على فدية، أو تخطف عصابة الضحية ثم تنقلها إلى تنظيم قادر على طلب مبلغ أعلى. وتُنقَل الفديات في الأغلب نقداً أو عبر شبكات الحوالة لتقليل فرص تعقبها.
العملات الرقمية ليست الخزانة الرئيسية
تزايد استخدام العملات الرقمية في جمع التبرعات وتحويل الأموال ودعم عائلات المقاتلين وشراء بعض الاحتياجات. وتفضل شبكات عدة العملات المستقرة مثل "تيثر"، لأنها أقل تقلباً من "بيتكوين"، قبل تحويلها إلى أموال تقليدية عبر وسطاء أو مكاتب حوالة. لكن شهرة العملات الرقمية تفوق وزنها الفعلي في تمويل معظم الجماعات. يحتاج المقاتل أو المهرب في النهاية إلى عملة محلية لشراء الوقود والغذاء والسلاح. كذلك تترك المعاملات على سلاسل الكتل (blockchains) العلنية سجلاً يمكن تحليله، ما يجعلها أقل سرية مما يعتقد كثيرون. لذلك، لا يزال النقد والحوالة والتمويل الذاتي والجباية المحلية أكثر أهمية في ساحات كثيرة.

"11 سبتمبر… هل يتكرر؟" - ملف خاص من "النهار"
في ربع قرن، ضعفت الجماعات الجهادية، تراجعت قدراتها الجماعية، لكنها ما تزال تشكل خطراً، لكن أما زالت قادرة على تنفيذ هجمات مشابهة لهجمات "11 سبتمبر"؟
1- جورج عيسى: هل من 11 سبتمبر آخر في الأفق؟
2- الدكتور جوزف برامل، الباحث في العلوم السياسية وخبير في الشؤون الأميركية: ربع قرن على "11 سبتمبر": صدمة أميركا وشرق أوسط لا يزال يدفع الثمن
3- باسل العريضي: ربع قرن على هجمات 11 أيلول... حروب متواصلة غيّرت الولايات المتحدة والعالم
4- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: ربع قرن على 11 سبتمبر: من "القاعدة" إلى إرهاب بلا مركز
5- جاد فياض: مخيمات أطفال "داعش": قنابل موقوتة تنتظر التوظيف السياسي؟
6- يحيى شمص: سجون الجهاديين... هل تعيد إنتاج "داعش" أم تكسر دائرة التطرف؟
7- عقيلة دبيشي: أفريقيا... مركز الثقل الجديد للجهادية العالمية؟
8- راغب ملّي: مكافحة الإرهاب بعد عشر سنوات... الذكاء الاصطناعي على جانبي المواجهة
9- خيوط من الظلام: رحلة النفس البشرية من التطرّف إلى الإرهاب
نبض