"يا عيب الشوم"... مرافعةٌ عن الدولة ضدّ نوّابها

منبر 16-09-2026 | 22:15

"يا عيب الشوم"... مرافعةٌ عن الدولة ضدّ نوّابها

هكذا تنتقل الشتيمة كالرصاصة الطائشة: تنطلق من فوق رأس المذنب، وتستقرّ في صدر الدولة.
"يا عيب الشوم"... مرافعةٌ عن الدولة ضدّ نوّابها
جلسة المجلس النيابي (حسام شبارو)
Smaller Bigger

 المحامي د. رفيق غريزي
في ساحة النجمة، وقف رئيس الحكومة نواف سلام أمام المجلس كما يقف طبيبٌ شرعيّ أمام جثّة: آلاف الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى، وكلفة قد تبلغ سبعة وعشرين مليار دولار. قال: هذه الحرب لم نخترها ولم نُسأل عنها. فقام إليه الذين لم يسألوا أحداً، ليسألوه لماذا لم يمنعها. هذا هو لبنان: من يُهجّر الناس يُحاسب من يؤويهم، ومن يأخذ البلد رهينةً يسأل الحكومة عن سعر الفدية.

 

ولم يجد رئيس المجلس نبيه بري ما يصف به ما جرى تحت قبّته إلا عبارة «يا عيب الشوم». فلنستعرها عنواناً. وسنرى أنها قيلت في اليوم نفسه مرةً أخرى، لا في وجه من أحرق البيت، بل في وجه من يحاول إطفاءه.

 

قبل أن نسمّي الجوقة، فلنسمِّ النصّ الذي اجتمعت على شتمه: ورقةٌ تعيد الجنوب إلى الدولة، وتقول إن الجيش اللبناني هو الذي يقف على الحدود، لا رجلٌ ملثّم يتلقّى أوامره من عاصمة أخرى. الذين عاشوا أربعين عاماً على «الأرض المحتلة» يخافون اتفاقاً ينهي الاحتلال، لأنه ينهي الذريعة. ومعادلة العهد: دولةٌ واحدة، وجيشٌ واحد، وقرار حربٍ وسلمٍ واحد، من دون نقطة دمٍ لبنانية في الداخل. فمن يرفضها، ماذا يعرض بديلاً؟ لم يُجب أحدٌ في يومين من الكلام.

 

لنبدأ بأصحاب البيت. في العشرين من آب الماضي، استهلّت كتلة "الوفاء للمقاومة" بيانها بذكرى أربعين المرشد الإيراني السابق علي خامنئي. نوّابٌ ائتمنوا على الدستور اللبناني يجدّدون البيعة لمرشدٍ لم ينتخبه لبنانيٌّ واحد، ثم يتّهمون الحكومة بـ"الإذعان لإملاءات الخارج". السؤال الوحيد: وفاءٌ لمن؟
وقبل أن يجفّ صوت رئيس الحكومة، نهض علي عمار صارخاً "باقية باقية باقية" ما دام شبرٌ محتلاً. هذا الاستكبار لم يحمِ حدوداً، بل صنع واقعاً جديداً: خمسمئة كيلومتر مربع باتت محتلة. هذه بوليصة تأمين على الاحتلال. ثم استعار زميله بيتاً للإمام الشافعي يصف فيه زميله بالسفيه.، هو نفسه نائبٌ عن بعلبك الهرمل يقول لنائبٍ عن جبيل إنه "الآخر" في بلده. هذا صكّ ملكية: البلد عندهم عقارٌ ونحن فيه مستأجرون بشرط الصمت، فإذا تكلّمنا صرنا "سفهاء" و"قوات إسرائيلية".

 

أما أدقّ فنون السياسة اللبنانية، فأن تكون في الحكومة وضدّها في آنٍ معاً، وأن تلقّنها أن "الدولة لا تقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تقدّمه للمواطنين". فماذا قدّمت الوزارة للمواطنين حين كان قائلها، النائب علي حسن خليل، وزيراً لها من 2014 إلى 2020؟ ونسأل عن العقوبات الأميركية عليه عام 2020، ومذكرة التوقيف بحقه في تفجير المرفأ التي لم تُنفَّذ. نحن لا نحاكمه، بل نذكّره فقط.

 

والنائبة عناية عز الدين طالبت بصرف الأموال للعائلات المتضررة. ونحن معها، لكن وزارة المال في عهدة وزيرٍ سمّته كتلتها، فالمطالبة موجّهة إلى مكتبٍ على بُعد ممرٍّ من مقعدها. هكذا هم: يبقون في الحكومة كي لا تسقط، وفي المعارضة كي لا تنجح.

 

ثم هدّد باسيل بالانسحاب لأن خمس دقائق لا تكفيه، معلناً: "أنا رئيس المعارضة". خمس دقائق لتيارٍ أمضى خمس عشرة سنة في الحكم؟ الاعتذار وحده يحتاج أكثر. وضع "اتفاق الإطار" في صلب هجومه، وهو الذي وقّع تياره ورقة تفاهم مار مخايل عام 2006، وغطّى السلاح سبعة عشر عاماً بعباءةٍ مسيحية، ليكتشف اليوم أنه "لم يعد بإمكانه حماية لبنان". وصلتَ متأخراً يا معالي الوزير، بعد الصواريخ. أنت أشبه بطليقٍ يعيّر الزوج الجديد بأنه تزوّج المرأة نفسها.

 

والمفارقة أن العبارة التي رماها بري في وجه فوضى نواب الحزب وُجِّهت هي نفسها إلى اتفاق الدولة: "يا عيب الشوم على هكذا اتفاق". هكذا تنتقل الشتيمة كالرصاصة الطائشة: تنطلق من فوق رأس المذنب، وتستقرّ في صدر الدولة.

 

وللإنصاف: عملتُ مع النائبة قعقور ولا أزال، وأشهد أنها تقرأ النص قبل التصويت عليه، وتطالب بحصرية السلاح. ولهذا بالذات، فإن ما قالته أخطر مما قاله علي عمار؛ فعمار لا يُقنع إلا جمهوره، أما هي فتمنح خطابه ما لم يملكه يوماً: شهادةً من خارجه.

 

نعم، ممنوع أن تفاوض طهران عن لبنان. لكن حين يُرفض مسار يفاوض فيه لبنان باسمه، يبقى المسار الذي يُفاوَض فيه عليه، والثنائي يراهن على "مذكرة التفاهم" في عاصمةٍ أخرى. فمن يُسقط "الإطار" في بيروت لا يُسقط التفاوض، بل يُقفل الباب اللبناني في وجه إيران، ويترك لها الشبّاك. أما "الإفساد" الحقيقي، فأن يُكتب في البيان الوزاري أن قرار الحرب والسلم للدولة، ثم تُفتح الجبهة من خارجها.

 

والاتفاقات لا تتبنّى سرديات بل تُنشئ التزامات. لبنان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، وطريقه الوحيدة إعلانٌ بموجب المادة 12 يقبل ولاية المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المرتكبة على إقليمه، فالبند المُنتقَد لم يُقفل باباً مفتوحاً، بل سجّل حال بابٍ أقفله اللبنانيون منذ ربع قرن، لأن الإعلان يشمل الإقليم لا الطرف، ويُلزم أطراف النزاع كافة، دولاً وجماعاتٍ مسلّحة. ومن يفتح الباب لا يختار من يدخل منه.

 

القانون الدولي بابٌ ثقيل لا يُفتح إلا بكتف دولة، ونحن منذ أربعين عاماً دولةٌ بلا كتف. وهنا جوهر الخلاف: لم يُطبَّق القانون الدولي على قرار فتح جبهة "الإسناد" في الثامن من تشرين الأول 2023، ولا على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية حين تُشقّ الأنفاق بين بيوت القرى. والميزان ذو الكفّة الواحدة موقفٌ لا عدالة.

 

ويبقى صدى عبارتها: "نحن كلنا شيعة عندما يُضرب الشيعي". ففي منطق الدولة يُضرب اللبناني. أما "كلنا شيعة" فقبولٌ، من حيث لا تريد، برواية الحزب كاملة: أن الحرب على طائفة لا على بلد، وأن السلاح درعها الوحيد. لا أقول إن النائبة قعقور صارت من حزب الله، بل ما هو أدقّ وأقسى: إن خطابها، في لحظة الامتحان، صار قابلاً للاستعمال من دون تعديل.

 

فليُجب منتقدو الاتفاق: كيف تُوقَف النار اليوم لا غداً؟ ومن يُلزم إسرائيل بالانسحاب في غياب نصٍّ ورعايةٍ دولية، بعدما ثبت أن ترتيبات 2024 وحدها لم تُنفَّذ؟ وكيف يعود المهجّرون ويُموَّل الإعمار؟ البديل القائم احتلالٌ بلا نص، ونارٌ بلا سقف، ومهجّرون بلا موعد. ومن يرفض الاتفاق ولا يقدّم سواه، يختار هذا البديل من دون أن يسمّيه.

 

وأخيراً، الدكتور الياس جرادي، "نائب برتبة فلاح" كما عرّف نفسه، المتطوّع مجاناً بلسان حزب الله. تمنّى لو سُجن الفريق المفاوض، و"كنت انبسطت كتير». وقال إن «التفاوض تحت التهديد ساقط"؛ فإن طبّقنا قاعدته، سقط أولاً اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، المُفاوَض عليه تحت القصف وعبر بري نفسه. ثم ختم اليساري العلماني بآية: "تنحّوا وصلّوا صلاة الاستغفار". ماركس يتقلّب، ولينين يطلب ماءً.

 

صفّق له بري، وقال سليم عون "نيال اللي بترضى عليه دولة الرئيس"، وردّ حسن فضل الله "لأن كلامه كلام وطني". التغييري الذي جاء عام 2022 ليكسر اللوائح المقفلة، صار يحمل ختمها على جبينه. لكنّ التصفيق ليس مقعداً على اللائحة: يُصفَّق لضيفٍ أحسن الإنشاد في عرسٍ ليس عرسه، ثم يُطفأ الضوء، ويبقى وحده يجمع الكراسي.

 

للحكومة أخطاؤها، لكن النقاش اليوم حول وجود الدولة. للمرة الأولى منذ الطائف، يقف رئيس جمهورية ورئيس حكومة على الموقف نفسه: السلاح بيد الدولة وحدها، وقرار الحرب والسلم في مجلس الوزراء وحده، والجنوب للجيش وحده. هذا تطبيقٌ متأخّر ثلاثين عاماً لدستورٍ أقسم عليه كل من صرخ في القاعة.

 

ومن يُسقط هذه الحكومة اليوم لا يُسقط نواف سلام، بل آخر فرصة لأن يكون في لبنان عنوانٌ واحد يطرق العالم بابه. البديل هو الفراغ، والفراغ في لبنان لم يكن يوماً فارغاً: كان دائماً مملوءاً بالسلاح. فالدفاع عن العهد والحكومة دفاعٌ عن فكرة الجمهورية، ضدّ من يريدها غرفة انتظار في مكتبٍ خارجي.

 

يا سادة الجوقة، يا "أهل الأرض"، فيكم من قرّر الحرب ويسأل عن كلفتها، ومن أدار المال ست سنوات ويسأل عن الودائع. وفيكم من يجدّد البيعة لمرشدٍ في طهران ثم يتّهم الحكومة بالخضوع للخارج، ومن يطالب بحصرية السلاح ثم يقول "يا عيب الشوم" على الاتفاق الوحيد الذي يحصره.
قلتم لزملائكم "أنتم الآخر". فاسمعوا جواب "الآخر": هذه الأرض ليست لكم. هذه الأرض لأصحابها: للذي نزح ولم يُسأل، وللذي استشهد ولم يُستشر، وللذي دُفن في قريته قبل أن تُدفن قريته.

 

في بلادٍ أخرى، يخجل النائب حين يخطئ؛ عندنا، يستشهد بالإمام الشافعي.
قال لكم نبيه بري "يا عيب الشوم". أما نحن، فسنكتفي بأن نقول: التاريخ لا يحفظ أسماء الذين صرخوا في القاعة، بل أسماء الذين لم يتركوا لنا قاعة. وأسماؤكم، للأسف، محفوظة جيداً.

الأكثر قراءة

تكنولوجيا 9/14/2026 6:45:00 PM
حذّرت "بريد الجزائر" من عصابات تنتحل صفة المؤسسة وتستدرج زبائنها للحصول على كلمات المرور والبيانات السرية بهدف سرقة الأموال من حساباتهم.
لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...