من مضيق وتلّة وفاتورة لبنانية
المحامي رفيق اورى وليد غريزي
بين مضيقٍ تعبره ناقلات العالم وتلّةٍ لا يتجاوز ارتفاعها ستّمئة متر فوق النبطية، لا صلة في الجغرافيا. أمّا في السياسة، فالخيط واحد، ومَن يمسك بطرفَيه واحد.
في هرمز، هبطت الملاحة إلى خمس سفنٍ في يوم سبت، ولا سفينة في اليوم التالي، بعدما كان المضيق يبتلع أكثر من مئةٍ وثلاثين سفينة يوميًا قبل حرب شباط. وفي طهران يُقال لنا إنّ المضيق مسألة سيادية لا تُبحث، وإنّ خسارة هذه الورقة تعني تنازلاتٍ كبرى أمام واشنطن. أي أنّ الملاحة الدولية، بمعناها الاقتصادي والإنساني، صارت رهينةً معلّقة على حبلٍ تفاوضيّ.
وفي علي الطاهر، المشرفة على النبطية وإقليم التفّاح وجبل الريحان ومحيط الليطاني، أعلن الجيش الإسرائيلي في السادس والعشرين من حزيران سيطرته عليها، ونفى «حزب الله». ومنذ ذلك اليوم والتلّة تُقصف ولا تُحسم، والقرى من حولها تدفع الحساب: أحد عشر قتيلًا وتسعة عشر جريحًا، بينهم نساء وأطفال، في أنصار ودير الزهراني في ليلةٍ واحدة. رهينةٌ ثانية، على المذبح ذاته.
القاسم المشترك ليس المصادفة. مذكرة التفاهم التي وُقّعت في منتصف حزيران منحت ستين يومًا للتوصّل إلى اتفاقٍ نهائي، وانقضت المهلة والمفاوضات في طريقٍ مسدود. وكلّما ضاق هامش طهران التفاوضي، ارتفعت حرارة الجنوب. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل حسابُ ربحٍ وخسارة بسيط: مَن لا يملك أن يفاوض بقوّته، يفاوض بأوجاع غيره. ولذلك قيل بمرارةٍ صادقة إنّ خسارة تلّةٍ في النبطية أهون على إيران بكثير من خسارة «ورقة لبنان».
والأدهى أنّ الرهينة اللبنانية صارت شرطًا معلنًا. فبعد الجولة السابعة العقيمة، ووسط ترجيحٍ لجولةٍ ثامنة مطلع أيلول، تسرّبت المعلومات الديبلوماسية بأنّ إسرائيل تربط مشاركتها بدخول الدولة اللبنانية إلى تلّة عليّ الطاهر وتسلّمها وإخراج «الحزب» منها. وهكذا عُلّق «اتفاق الإطار» برمّته على مرتفعٍ واحد، وصارت التلّة اختصارًا لملفّ السلاح غير الشرعي كلّه.
وهنا يدخل بنيامين نتنياهو من البوابة الواسعة. في السابع والعشرين من تشرين الأول يذهب الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، وعنوان الاستحقاق هو محاسبته على انتصارٍ حاسمٍ وعده ولم يحقّقه. رجلٌ في هذا الموقع لا يحتاج إلى حربٍ كبرى مكلفة؛ يحتاج إلى صورة. إلى تلّةٍ لها اسمٌ ومعنى، ومعركةٍ تُدار ببطءٍ محسوب حتى تنضج قبل الموعد لا بعده. لذلك صحّ القول إنّ عليّ الطاهر هي «الناخب الأكبر» في انتخابات إسرائيل. النار في الجنوب مادةٌ انتخابية، والدم اللبناني بندٌ في حملةٍ دعائية.
فماذا فعل «حزب الله» في مواجهة هذه المعادلة؟ فعل ما يتقنه: حوّل المأزق إلى منبر، والاتهام إلى استراتيجية. أمينه العام يتّهم الحكومة بارتكاب «خطيئة كبرى» لأنها تركّز على حصر السلاح، ويسوق خطابًا يخوّن السلطة ورئيس الجمهورية، داعيًا إلى الركون إلى المرجعية الإيرانية ومذكّرة تفاهمها مع واشنطن. أي أنّ الحزب لا يكتفي بأن يسحب من الدولة قرار الحرب، بل يسعى إلى نزع شرعيّتها وهي تحاول استرداد ما تبقّى من الأرض بالوسيلة الوحيدة المتاحة لها.
وفي مواجهة هذا كلّه، ماذا كان أمام الدولة اللبنانية؟ لنقلها بوضوح: لم يُترك لها خيار. الدولة التي قرّرت في آب 2025 حصر السلاح بيدها وكلّفت الجيش خطةً تطبيقية، ثمّ طلبت في الثاني من آذار المباشرة بالتنفيذ شمال الليطاني بعد حظرها نشاطات «حزب الله» العسكرية والأمنية، اتّخذت أجرأ قرارٍ منذ الطائف، ومن دون أن يحميها أحد. لكنّها ورثت جيشًا مثقلًا بما فوق طاقته، واقتصادًا منهكًا، وجنوبًا محتلًّا في خمس نقاط، وسلاحًا داخل بيتها يُدار من خارجه.
ثمّ يُقال لها بعد ذلك إنّ ذهابها إلى روما تفريط. أيّ منطقٍ هذا؟ الدولة المجرّدة من قرار الحرب ليست مخيّرة بين التفاوض والقتال؛ هي مخيّرة بين التفاوض والصمت. والتفاوض ليس تنازلًا، بل هو الجبهة الوحيدة التي يملك فيها لبنان أوراقًا حقيقية: شرعيته الدولية، والقرار 1701، وحقّه في أرضٍ محتلّة، وجيشٌ يشهد له المجتمع الدولي بأنّه يبذل جهدًا جبّارًا. وحين هدّدت إسرائيل بلدة المنصوري وطلبت إخلاءها، أراد رئيس الوفد الانسحاب من الطاولة، فرأت رئاسة الجمهورية أن يستمرّ لبنان كي يصدر تعليق المسار عن الطرف الآخر لا عنه. هذه ليست مساومة؛ هذه إدارة موقفٍ بأقلّ الخسائر.
والمفارقة القاسية أنّ الدولة مطالَبةٌ اليوم بأن تُثبت سيادتها على تلّةٍ لا تسيطر عليها، فيما وزير الحرب الإسرائيلي يعلن صراحةً أنّ البقاء في النقاط الخمس فُرض فرضًا ولن ينسحب منها ما دام «الحزب» مسلّحًا. يُطلب منها أن تنزع سلاحًا ليس سلاحها، وأن تدفع ثمن حربٍ لم تُعلنها، وأن تنجح حيث تعمّد كثيرون إفشالها. سيادةٌ مستعجَلة منّا، ومؤجَّلة عندهم.
نحن إذًا أمام معادلةٍ ظالمة: إيران تساوم بورقتين، ونتنياهو ينتخب على نار الجنوب، وواشنطن تمسك بساعة التوقيت، والدولة اللبنانية وحدها مطالَبة بالمعجزات، وهي أقلّ الأطراف امتلاكًا للقوّة وأكثرها امتلاكًا للحقّ. ومع ذلك، هي الوحيدة التي لم تراهن على حربٍ ولم تتاجر بدم أهلها.
ليس مطلوبًا من اللبنانيين أن يختاروا بين احتلالٍ ووصاية؛ هذا خيارٌ مزوّر منذ نصف قرن. المطلوب أن نُسنِد الطاولة التي يجلس إليها لبنان بدل أن نضربها من تحته، وأن نقوّي دولته بدل أن نخوّنها، وأن يعود قرار الحرب والسلم إليها وحدها. فالتفاوض حين تحتكر الدولة قرارها ليس ضعفًا، بل هو الشكل الوحيد للقوّة المتاحة لبلدٍ صغير في زمنٍ كبير.
فالتلّة، في نهاية المطاف، ليست عسكرية. إنها أخلاقية. ومَن يريد لوطنه ألّا يكون ورقةً في جيب غيره، فليضعه في يد دولته.
نبض