هل يختبر نظام إيران قدرته على تحميل الشعب كلفة الحرب؟

كتاب النهار 09-09-2026 | 15:53

هل يختبر نظام إيران قدرته على تحميل الشعب كلفة الحرب؟

الحرب التي ساعدت النظام في بدايتها على عسكرة المجتمع وتأجيل الانفجار، قد تتحوّل مع الزمن إلى عامل يعيد إنتاج شروط الإنتفاضة
هل يختبر نظام إيران قدرته على تحميل الشعب كلفة الحرب؟
طهران. (أ ف ب)
Smaller Bigger

قد لا يكون المشهد الإيراني اليوم قابلاً للاختصار في سؤال: هل نحن أمام حرب أم تفاوض؟ فالأقرب أن النظام يعيش حالةً معلّقة بين حرب لم تنتهِ وسلام لم يولد، تتداخل فيها الحرب الاقتصادية، والضغط البحري في مضيق هرمز، والمفاوضات غير المباشرة، والتحضير لجولة جديدة من التصعيد.

 

الزاوية الأهم ربما لا تكمن في ما إذا كان النظام سيعود إلى طاولة التفاوض بل في سؤال آخر: من يمتلك الوقت أكثر واشنطن أم طهران؟ تراهن الولايات المتحدة كما يبدو على إطالة أمد الضغط الاقتصادي والبحري من دون دفع كلفة حرب واسعة.

 

أما طهران وخصوصاً مراكز القرار المتشكّل حول مجتبى خامنئي و"الحرس الثوري" فتحاول استخدام هرمز ورقة ضغط لمنع واشنطن من تحويل الوقت إلى سلاح ضد النظام. لكن المشكلة الأخطر بالنسبة إلى النظام ليست في الخارج وحده. فكل يوم إضافي من الحرب أو الحصار يقترب أكثر من الداخل الإيراني: أزمة البنزين، التضخم، تراجع القدرة الشرائية، تعطيل الإنتاج، الخوف من رفع الأسعار، واستعادة ذاكرة انتفاضات سابقة بدأت من قرارات إقتصادية ثم تحوّلت إلى إحتجاجات سياسية.

 

هنا يصبح البنزين أكثر من سلعة. إنه اختبار لقدرة النظام على تحميل الشعب كلفة الحرب والبقاء. فالنظام يحتاج إلى المال، ولا يستطيع تأمين الاستهلاك الداخلي بسهولة. ويرى في تقليص الدعم ورفع السعر مخرجاً مالياً. لكنه يعرف في الوقت نفسه أن أي صدمة في البنزين قد تتحول إلى شرارة اجتماعية لا يمكن التحكّم بنهايتها. من جهة أخرى تكشف التعبئة الليلية المستمرة لأنصار النظام، بعد مقتل علي خامنئي وبروز مجتبى إبنه بوصفه مركز القرار الجديد، عن وظيفة جديدة. فهي لم تعد مجرّد مراسم ولاء أو حداد أو دعم للحرب، بل تبدو أيضاً محاولةً لإبقاء الشارع تحت رقابة مسبقة، ومنع تحوّله إلى ساحةً مفتوحةً لغضب اجتماعي مستقل. 

 

طهران. (أ ف ب)
طهران. (أ ف ب)

 

بكلمة أخرى، الحرب التي ساعدت النظام في بدايتها على عسكرة المجتمع وتأجيل الانفجار، قد تتحوّل مع الزمن إلى عامل يعيد إنتاج شروط الإنتفاضة: فقر أعمق وتعب اجتماعي، انقسام في القمة، وتآكل قدرة الناس على الاحتمال. لذلك قد يكون السؤال المركزي اليوم: هل ينجح النظام في تحويل هرمز إلى ورقة تفاوض قبل أن يتحوّل البنزين والمعيشة إلى شرارة داخلية؟ أو أن ساعة التآكل الداخلي ستسبق ساعة التسوية الخارجية؟ هذه الزاوية قد تفتح باباً لقراءة أوسع.

 

إيران لا تواجه فقط ضغطاً أميركياً أو أزمة في مضيق هرمز، بل سباقاً بين زمنين، زمن الخارج الذي يضغط وزمن الداخل الذي يغلي. 

 

ماذا يفعل مجتبى خامنئي الولي الفقيه الجديد لإيران الإسلامية؟ ليست التعيينات العسكرية والأمنية الأخيرة في إيران مجرّد تغييرات إدارية داخل النظام، بل تبدو أقرب إلى عملية إعادة تركيب لمركز القرار بعد خامنئي.

 

فمجتبى يحاول في لحظة شديدة الاضطراب أن يفرض موقعه على الأجنحة المتصارعة، وأن يربط بين مركز القيادة الجديد حوله والحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي وأجهزة القمع الداخلي.

 

السؤال الأهم هنا ليس من عُيّن ومن أُبعد؟ بل إلى أين يتحرّك النظام؟ هل يستعد لتسوية سياسية أم لجولة جديدة من التوتر والحرب؟ المؤشرات تميل إلى أن النظام يريد الجمع بين المسارين.

 

إبقاء باب التفاوض مفتوحاً شكلياً، مع رفع شروط يعرف مسبقاً أن قبولها صعب، وفي الوقت نفسه تعزيز قبضة الحرس والأجهزة الأمنية استعداداً لمواجهة أوسع. لذلك فإن الحديث عن التفاوض لا يعني بالضرورة خيار السلام، كما أن التصعيد لا يعني ثقة النظام بقوته.

 

كلاهما يعكس خوفاً عميقاً من لحظة ما بعد الحرب. فالنظام لا يخاف من استمرار الحرب فقط، بل يخاف أيضاً من نهايتها. لأن نهايتها ستنزع منه ذريعة التعبئة، وستفتح الباب أمام انفجار تناقضاته الداخلية: الاقتصاد المنهك، أزمة البنزين، الفقر، الغضب الاجتماعي وصراع الأجنحة على السلطة.

 

لهذا يبدو أن مجتبى خامنئي يحاول بناء "إئتلاف أمن البقاء". ائتلاف لا يقوم على رؤية موحدة بل على خوف مشترك من سقوط النظام. في هذا السياق يأتي تعيين حسين طائب على رأس منظمة الباسيج. فطائب المعروف بقربه من مجتبى ودوره في أجهزة القمع ليس رسالةً إلى الخارج بقدر ما هو رسالةً إلى الداخل. النظام يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السفن الأميركية أو العقوبات أو مضيق هرمز، بل في الشارع الإيراني نفسه. لذلك يعيد ترتيب أدواته الأمنية، ليس فقط للحرب الخارجية بل قبل كل شيء لقمع أي انتفاضة داخلية محتملة.

 

اللافت أن هذه التحركات تجري في وقت يتصاعد فيه الخوف من أزمة البنزين والمعيشة. فكل حديث عن رفع الأسعار أو تقليص الدعم، أو تحميل الشعب كلفة الحرب، يمكن أن يتحول إلى شرارةً اجتماعية، كما حدث في محطات سابقة عندما تحوّلت القرارات الاقتصادية إلى احتجاجات سياسية واسعة.

 

لهذا فإن النظام، وهو يعيد ترتيب المجلس الأعلى للأمن القومي والحرس والباسيج،لا يدير ملفاً أمنياً فقط، بل يحاول منع الغضب الشعبي من التحوّل إلى فعل منظّم.

 

الخلاصة أن ما يجري في طهران ليس علامة استقرار بل علامة قلق. مجتبى خامنئي لا يتصرّف كقائد مطمئن ورث سلطة مستقرة، بل كوريث يحاول تثبيت سلطته وسط حرب وانقسام وأزمة إقتصادية وخوف من الانتفاضة.

 

بكلمة واحدة إعادة تركيب مركز القرار الأمني ليست خطوة إدارية، بل محاولة لبناء مركز بقاء جديد لنظام يعرف أن الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج وحده، بل من الداخل الإيراني، ومن مجتمع يقترب من لحظة لم يعد فيها الخوف أقوى من الغضب.

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/8/2026 5:28:00 AM
الواضح أن الإسرائيلي يعتبر انسحاب مقاتلي "حزب الله" الذين كانوا متحصنين في أنفاق علي الطاهر ويدافعون عنها، بمثابة انهيارٍ لأهم الدفاعات التي بذل الحزب جهوداً استثنائية طوال العقدين الماضيين لإنشائها.
اقتصاد وأعمال 9/9/2026 6:03:00 AM
تمكن طاقم الطائرة من الهبوط بنجاح، فيما انعكس إخلاء المدرج على حركة الملاحة الجوية، إذ اضطرت طائرة تابعة للخطوط الجوية المصرية إلى تأجيل هبوطها والتحليق في الجو إلى حين إخلاء المدرج.
ظهر دونالد ترامب بشعر بدا أكثر قتامة وميلاً إلى البني خلال وصوله إلى نيوجيرسي، ما أثار موجة من التكهنات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
لايف ستايل 9/7/2026 1:39:00 PM
تُعد إسفنجة المطبخ بيئة خصبة لنمو البكتيريا وفق دراسات حديثة. الخبراء يوصون ببدائل صحية كفرشاة الأطباق والفوط القطنية لضمان نظافة مطبخك وحماية صحة عائلتك.