حماية الدور الفرنسي والقدرة على توظيفه
لم يحجب توجّه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى إيطاليا في زيارة مخصّصة للبحث في بدائل القوة الدولية في الجنوب التي تنتهي مهمتها نهاية السنة الجارية فضلاً عن استضافة روما لجولات التفاوض الأخيرة مع إسرائيل، معطوفة على زيارة الفاتيكان واستقباله من البابا لاوون الرابع عشر دوراً وتوجهاً كان من المعتاد أن يكون لفرنسا في ظروف مماثلة. ولكن قبيل إقلاع طائرة عون إلى إيطاليا نقلت دعوة فرنسية إليه لمؤتمر لدعم الجيش اللبناني في باريس الشهر المقبل على نحو لافت من حيث التوقيت ودلالاته.
ففرنسا كانت الوجهة البديهية للبنان التي اعتُمد عليها طويلاً على قاعدة مدى التفهم والفهم الفرنسي للبنان ومعرفة باريس العميقة بالهيكلية السياسية اللبنانية وكيفية تفاعلها في ما بينها فضلاً عن الحاجة اللبنانية إلى ركيزة دولية كان لبنان ولا يزال في حاجة ماسة إليها. تغيّرت المقاربة فيلبنان على نحو لم يخف انزعاج فرنسا الى حدّ كبير فيما يرى مراقبون أن الابتعاد القسري للبنان في ضوء رهانه الوحيد على الولايات المتحدة في الظروف الراهنة في الوقت الذي لا ترغب هي وإسرائيل في أي دور لـ فرنسا أمر ينطوي على سلبيات بالنسبة إلى لبنان الذي يرى هؤلاء ضرورة اتباعه أو اعتماده ديبلوماسية موازية. وفي هذه النقطة بالذات رحّب كثر بالزيارة التي قام بها كل من رئيس الجمهورية وقبله رئيس الحكومة لتركيا التي يكتسب دورها أبعاداً جديدة في ظل النظام المتغير في المنطقة، الذي يرى هؤلاء وجوب أن يبحث لبنان ويحدد موقعه فيه. ويرى آخرون أن المقاربة غير الاتكالية على فرنسا وحدها كما جرت العادة قد تكون فرصة لعلاقة مختلفة ومدعاة لتصويب المقاربة الفرنسية التي اعتمدت بدورها، طوال أعوام، على إيلاء أهمية لأدوار دول إقليمية في لبنان وقوّمت علاقاتها مع هذه الدول على أساس مصالحها، الأمر الذي لاحق ديبلوماسيين في لبنان طوال أعوام، إذ يعتقد أصحاب هذه النظرة الأخيرة أن فرنسا أظهرت على مدى أعوام طويلة تفهماً لإيران إلى حدّ كبير ولدورها ونفوذها، والبعض يعتبر أن باريس كانت تحت سحر إيران في محطات عدة وكان للتميّز الذي احتفظت به فرنسا لنفسها في لبنان بالانفتاح على الحوار مع "حزب الله" على رغم إدراكها لمسؤوليته عن عراقيل كثيرة لنهوض الدولة وعن أحداث خطيرة كذلك تحت عنوان الواقعية السياسية، مفاعيل أخذت مداها سلباً على فرنسا في لبنان لا سيما بعد حربي إسناد الحزب لغزة وإيران. وفيما لا أحد يستطيع في لبنان أن يناقش أو ينقض حجم ومدى الاهتمام الذي أبدته فرنسا عقب انفجار مرفأ بيروت في عام 2022، ولكن كثيرين يعتقدون أن المقاربة التي اعتمدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأمور في السنوات التي أعقبت ذلك ولا سيما إذا أخذت في الاعتبار المقاربة إزاء إنهاء الفراغ الرئاسي وحتى في تأليف الحكومة لاحقاً التي كانت تمدّد بنتائجها للأزمة أكثر من إيجاد حل لها.
الملاحظات بالنسبة إلى فرنسا يبديها كثر من زاوية أن دورها لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة إلى لبنان أوروبياً ودولياً، وإذا عرف لبنان توظيف هذا الدور على رغم توجهاته الراهنة حتى لو كسرت حصريتها أو تفويضها حول لبنان. هذا لا يعني أن لبنان يمكن أن يتحمّل ترف الاستبدال الفرنسي بالرهان على الولايات المتحدة وحدها أو الاعتماد على دول أوروبية أخرى كإيطاليا مثلاً التي لا تملك الحسابات الفرنسية نفسها ولا لديها الرغبة في الانخراط في الشأن اللبناني كما تفعل فرنسا التي لا يقتصر اهتمامها بلبنان على مسؤوليها بل إن الرأي العام الفرنسي بالذات أكثر تفهّماً وقرباً من لبنان من بين الشعوب الاوروبية.
لكن مصلحة لبنان هي في موازنة علاقاته مع دول صديقة وتمتينها بحيث يمكن للبنان أن يستفيد من دور فرنسي مختلف إذا عرف استخدام هذا الدور من دون أن يضع نفسه كلياً في خانة فرنسا أو عندها أو يعجز عن التحرك كما في مراحل سابقة من دون مبادرة فرنسية من هنا أو هناك لإنقاذ وضع ما أو لمدّ يد المساعدة. وهذه كانت ولا تزال مشكلة المسؤولين اللبنانيين عموماً الذين يعجزون عن التفاهم الداخلي من دون تحفيز أو تدخل خارجي، بحيث يكاد الرئيس الراحل رفيق الحريري يُعتبر المسؤول الوحيد الذي ابتعد عن هذه المقاربة في محاولته ألا يضع نفسه عند الآخرين بل عكس ذلك عملانياً. وما لا ينبغي أن يتجاهله لبنان هو مدى الاعتماد على فرنسا في المحافل الدولية حيث يمكن أن تكون صوت لبنان فيها أو حتى في المحافل الأوروبية لا سيما أن أوروبا تدعم الكثير من دول المنطقة على رغم أزماتها المتعددة. وكل ذلك عدا الهاجس المزمن من تقدّم اهتمامات وأولويات لدى الولايات المتحدة يمكن أن تسهم في تراجع الاهتمام بلبنان وربما على حسابه.
[email protected]
نبض