الإمارات وألمانيا تعزّزان شراكتهما... 40 مليار يورو ومواقف موحّدة من ملفات المنطقة
تُوّجت زيارة الدولة التي أجراها الرئيس الإماراتي محمد بن زايد إلى ألمانيا بإعلان مشترك جمع بين شراكة اقتصادية واسعة ومواقف سياسية من أبرز ملفات المنطقة. ففيما أعلن البلدان حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو وتوقيع 30 اتفاقية، أكدا التصدي للتهديدات الإيرانية ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ودعما سيادة لبنان وحصر السلاح بيد الدولة، وشددا على وحدة سوريا واحترام اتفاق فضّ الاشتباك.
وجاء الإعلان في ختام زيارة الدولة التي أجراها الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا بين 9 و11 أيلول/سبتمبر ، تلبية لدعوة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.
والتقى محمد بن زايد، خلال أول زيارة دولة يجريها رئيس إماراتي إلى ألمانيا، المستشار فريدريش ميرتس، وبحث معه توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والدفاعي والتكنولوجي، إضافة إلى تطورات الشرق الأوسط وأوكرانيا والسودان.
وأكد الجانبان، في إعلان مشترك، أن الزيارة تأتي في لحظة محورية لكلا البلدين وللنظام الدولي، وتشدد على أهمية التعاون بين الشركاء الموثوقين في ظل التقلبات الجيوسياسية المتزايدة.
حوار استراتيجي إماراتي-ألماني
أعلن بن زايد وميرتس إنشاء إطار للحوار الاستراتيجي، بهدف ترسيخ الشراكة التي بدأت بين البلدين عام 2004 وتحويلها إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد.
وسيشمل الحوار الأمن الدولي والإقليمي والدفاع والتجارة والاستثمار والطاقة والمناخ والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة والرقمنة والنقل والبيئة والثقافة والتعليم.
كما وقّع البلدان إعلان نوايا لإنشاء مجلس الاستثمار الإماراتي-الألماني، ليكون منصة لتشجيع الاستثمارات والمشاريع المشتركة وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.
ورحّب الجانبان بمخرجات منتدى الأعمال الإماراتي-الألماني واستئناف أعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة، إلى جانب توقيع 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين شركات البلدين بقيمة تتجاوز 9.66 مليار يورو.
حزمة استثمارية بقيمة 40 مليار يورو
تشمل الحزمة الإماراتية البالغة 40 مليار يورو استثمارات تستهدف تعزيز القدرة التنافسية للصناعة الألمانية ودعم الابتكار والنمو الاقتصادي طويل الأمد.
ومن المقرر أن تطاول الاستثمارات البنية التحتية الرقمية المتقدمة، بما فيها إنشاء مراكز بيانات جديدة بطاقة استيعابية تقدر بنحو واحد غيغاواط، فيما تعهدت ألمانيا بتهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ المشاريع.
وتضاف الحزمة الجديدة إلى الاستثمارات الإماراتية القائمة في ألمانيا، ومن بينها استثمار شركة "إكس آر جي" بنحو 15 مليار يورو في شركة "كوفسترو".
وبلغت التجارة الثنائية غير النفطية 13.5 مليار يورو خلال عام 2025، مسجلة نمواً تجاوز 14 في المئة مقارنة بعام 2024، بينما تخطت التدفقات الاستثمارية التراكمية بين البلدين 8.6 مليار يورو بين عامي 2021 و2025.
كما أكد البلدان دعمهما للمفاوضات الجارية بشأن اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين الإمارات والاتحاد الأوروبي، بهدف التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة وطموحة.
اتفاقات في الطاقة والغاز والهيدروجين
أكد الجانبان توسيع الشراكة في قطاع الطاقة، بما يشمل الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين وكفاءة الطاقة، بهدف تعزيز أمن الإمدادات ودعم القدرة التنافسية الصناعية.
وشملت الاتفاقات خططاً للتعاون بين شركات "أدنوك" و"مصدر" و"إكس آر جي" الإماراتية وشركات ألمانية، بينها "أر دبليو إي" و"كوفسترو".
ووقّعت "مصدر" و"أر دبليو إي" مذكرة تفاهم لدراسة المشاركة المشتركة في مزادات طاقة الرياح البحرية الألمانية عام 2027، باستثمارات محتملة تتجاوز ثلاثة مليارات يورو.
كما تبحث "أدنوك" و"أر دبليو إي" إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الألمانية والأوروبية والآسيوية، ابتداءً من مطلع العقد المقبل.
واتفق البلدان كذلك على تعزيز التعاون في خفض انبعاثات الميثان ودعم "التحالف العالمي لكفاءة الطاقة" والوكالة الدولية للطاقة المتجددة "أيرينا".
الذكاء الاصطناعي و"السفارات الرقمية"
احتلت التكنولوجيا الناشئة والذكاء الاصطناعي حيزاً أساسياً من المحادثات، إذ اتفق البلدان على توسيع تبادل الخبرات والاستثمارات والبحث والتطوير في هذه المجالات.
ورحّب محمد بن زايد وميرتس بإعلان نوايا للتعاون في تخزين البيانات ونظم المعلومات من خلال إنشاء ما أُطلق عليه "السفارات الرقمية".
ويهدف المشروع إلى توفير بنية تحتية رقمية آمنة وقادرة على الصمود، وحماية البيانات وتعزيز الثقة والتعاون التكنولوجي بين البلدين.
كما اتفق الجانبان على تطوير الشراكة في الصناعات المتقدمة والتصنيع والزراعة الحديثة والأمن الغذائي، والاستفادة من الخبرات الإماراتية في النظم الغذائية المعتمدة على التكنولوجيا والقدرات الصناعية الألمانية.

تعاون دفاعي وأمني
أكدت الإمارات وألمانيا أن التعاون في الدفاع والتكنولوجيا الدفاعية يمثل ركيزة أساسية في علاقاتهما، ورحّبتا بتوقيع خطاب نوايا لاستكشاف فرص التعاون العسكري.
كما عُقدت طاولة مستديرة رفيعة المستوى بشأن الدفاع، ووُقّع خطاب نوايا آخر للتعاون الشرطي والأمني، تمهيداً للانتقال إلى شراكة استراتيجية أوسع في هذه المجالات.
الطيران المدني
في مجال الطيران المدني، وافقت ألمانيا على إضافة نقطة خامسة إلى جدول المسارات الجوية، بما يتيح لإحدى الناقلات الوطنية الإماراتية تشغيل عدد متفق عليه من الرحلات إلى وجهة ألمانية إضافية.
واتفق الجانبان على الإبقاء على عدد الرحلات المخصصة للناقلة إلى النقاط الأربع الحالية من دون تغيير.
كما وُقّعت اتفاقية لتسهيل دخول المواطنين الإماراتيين عبر المطارات الألمانية باستخدام نظام "EasyPASS"، إلى جانب اتفاقية للمساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية.
وأعرب البلدان عن تطلعهما إلى إنجاز الاتفاقات الأخرى قيد التفاوض، ومنها اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي.
إيران ومضيق هرمز
سياسياً، دانت الإمارات وألمانيا الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات ودول المنطقة، ولا سيما تلك التي استهدفت بنى تحتية مدنية، واعتبرتا أنها تنتهك سيادة الدول والقانون الدولي.
كما دان الجانبان الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والتهديدات والهجمات على السفن التجارية، وطالبا إيران بالامتناع عن عرقلة حق المرور العابر في المضائق الدولية.

وجدّدا التأكيد على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومواجهة المخاطر المرتبطة ببرنامجها الصاروخي والطائرات المسيّرة ودعمها جهات مسلحة غير حكومية في المنطقة.
غزة وحل الدولتين
وأكد محمد بن زايد وميرتس التزامهما بتحقيق سلام شامل وعادل ودائم على أساس حل الدولتين، بما يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، تعيش إلى جانب إسرائيل بأمن وسلام.
ودعا الجانبان إلى تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في قطاع غزة، بما يشمل نزع سلاح "حماس" وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة إعمار القطاع وإعادة توحيد الأرض الفلسطينية تحت إدارة السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها.
ورفضا أي إجراءات أحادية تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني في القدس أو إحداث تغييرات إقليمية وديموغرافية، بما فيها التهجير القسري للفلسطينيين.
دعم لبنان وسوريا
أعرب البلدان عن تضامنهما مع لبنان وتمسكهما بوحدته وسيادته وسلامة أراضيه، ودعما جهود الحكومة اللبنانية لحصر السلاح تحت سلطة الدولة.
كما رحّبا بالاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل، وأعربا عن أملهما في أن يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، مع التشديد على تنفيذ القرار 1701 وضمان سلامة أفراد "اليونيفيل".
وفي الملف السوري، شددا على الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، واحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ودعوا إلى خطوات ملموسة نحو حوكمة شاملة تدعم استقرار البلاد وتعافيها.
أوكرانيا والسودان
وفي شأن أوكرانيا، أكد البلدان دعمهما لسلام شامل يستند إلى القانون الدولي، ودعوا إلى وقف لإطلاق النار في البحر الأسود لتسهيل تصدير الحبوب وتعزيز الأمن الغذائي العالمي.
وشكرت ألمانيا الإمارات على وساطتها في عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، التي وصل عدد المستفيدين منها منذ اندلاع الحرب إلى 7997 أسيراً.
واتفق الجانبان على تقديم مساعدات إنسانية وتنموية عاجلة لأوكرانيا خلال الشتاء، مع التركيز على البنية التحتية ودعم الأطفال والشباب والأسر.
أما في السودان، فدانا الهجمات على المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، ودعوا الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى وقف العمليات العسكرية وإعلان هدنة إنسانية غير مشروطة، تمهيداً لوقف دائم للنار وعملية انتقال سياسية بقيادة مدنية.
نبض
