الحقوق الرقمية والذكاء الاصطناعي: من التنظيم التقني إلى حماية الكرامة الإنسانية

الحقوق الرقمية والذكاء الاصطناعي: من التنظيم التقني إلى حماية الكرامة الإنسانية

الحقوق الرقمية ضرورة أساسية لحماية الخصوصية والعدالة والشفافية وضمان استخدام آمن ومنصف للتكنولوجيا الحديثة.
الحقوق الرقمية والذكاء الاصطناعي: من التنظيم التقني إلى حماية الكرامة الإنسانية
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

*د. إسلام محمد سرور

 

لم تعد الحقوق الرقمية ترفاً تنظيمياً أو ملفاً تقنياً يهم المتخصصين وحدهم، بل أصبحت امتداداً مباشراً للحقوق والحريات الأساسية في عالم تُدار فيه المعرفة، والخدمات العامة، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية عبر الفضاء الرقمي، فمع تعاظم تأثير الذكاء الاصطناعي، وتنامي اقتصاد البيانات، وتحول المنصات الرقمية إلى ساحات للنقاش العام وصناعة الرأي، باتت الحقوق الرقمية عنصراً جوهرياً من عناصر الأمن القانوني، وشرطاً أساسياً لبناء الثقة بين الفرد والدولة والسوق.

 

فاليوم، لم تعد المسألة مقتصرة على "استخدام التكنولوجيا"، بل على كيفية تنظيمها وضبطها قانونياً بما يحفظ كرامة الإنسان، ويمنع تحوّل التحوّل الرقمي إلى أداة إقصاء أو مراقبة أو تمييز غير مشروع.

 

أولاً: الأساس الدولي للحقوق الرقمية:
تنطلق الحقوق الرقمية من مبادئ دولية راسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها: الكرامة الإنسانية، والخصوصية، وحرية التعبير، وعدم التمييز. 

وقد أكّد مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن الحقوق التي يتمتع بها الأفراد خارج الإنترنت يجب أن تُحمى بالقدر ذاته داخل الفضاء الرقمي، وهو مبدأ مفصلي يرسّخ وحدة الحماية الحقوقية بغضّ النظر عن الوسيط.

وفي مجال حماية البيانات الشخصية، شكّلت اتفاقية مجلس أوروبا لحماية الأفراد إزاء المعالجة الآلية للبيانات ذات الطابع الشخصي  Convention 108 ولاحقاً نسختها المحدّثة (108+)، مرجعاً دولياً متقدماً، من حيث تكريس مبادئ الشرعية، والتناسب، والحد من جمع البيانات، وضمان حقوق الأفراد في مواجهة الجهات المتحكمة بالبيانات.

أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد اعتمدت منظمة اليونسكو توصيات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أول إطار معياري عالمي يؤكد ضرورة احترام حقوق الإنسان، والعدالة، والشفافية، والمساءلة، والرقابة البشرية على الأنظمة الذكية.

وهو ما يعكس تحوّل "الأخلاقيات الرقمية" من خطاب نظري إلى مرجعية قانونية وسياسية.

 

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

 

 

ثانياً: الحقوق الرقمية وسيادة القانون في العصر الرقمي


أفرز التحول الرقمي مجموعة من المخاطر القانونية المتداخلة، أبرزها:

1. الخصوصية وحماية البيانات: إن التوسع في جمع البيانات وتحليلها، بما في ذلك البيانات السلوكية والبيومترية، يضاعف مخاطر الاستخدام غير المشروع، أو إعادة التعريف، أو المعالجة خارج الغرض المعلن.

2. حرية التعبير وتنظيم المحتوى الرقمي: فقد أصبحت المنصات الرقمية بوابة المجال العام، ما يفرض معادلة دقيقة بين مكافحة التضليل وخطاب الكراهية من جهة، وضمان حرية التعبير وعدم الرقابة التعسفية من جهة أخرى.

3. التمييز الخوارزمي والقرارات المؤتمتة: تؤثر الأنظمة الذكية اليوم على فرص العمل، والحصول على الخدمات، والائتمان، وحتى العدالة الجنائية، في ظل محدودية الفهم والاعتراض على آليات اتخاذ القرار الآلي. فهذه التحديات دفعت العديد من الأنظمة القانونية إلى تبنّي مقاربة قائمة على المخاطر في تنظيم الذكاء الاصطناعي، كما هي الحال في التشريع الأوروبي الحديث، الذي يميّز بين الاستخدامات المنخفضة والعالية الخطورة، ويُخضع الأخيرة لالتزامات صارمة تتعلق بالشفافية والمساءلة وحماية الحقوق.

ثالثاً: توصيات تشريعية لبناء إطار وطني للحقوق الرقمية


في ضوء التطورات الدولية، يمكن اقتراح حزمة من التوصيات التشريعية العملية:

يمثّل وجود تشريع شامل لحماية البيانات الشخصية حجر الزاوية في منظومة الحقوق الرقمية. 

ويقتضي هذا التشريع إقرار مبادئ المعالجة العادلة والمشروعة، بما يضمن أن تُجمع البيانات وتُستخدم ضمن أغراض محددة ومعلنة وبالقدر اللازم فقط، كما يجب أن يُكرّس القانون حقوق الأفراد في الاطلاع على بياناتهم الشخصية، وتصحيحها، وطلب محوها عند انتفاء المبرر القانوني للاحتفاظ بها، والاعتراض على معالجتها، إضافة إلى الحق في نقل البيانات عند الاقتضاء، وهو واقع الحال في العديد من التشريعات بالمنطقة العربية.

إلا أنه لا يكتمل هذا الإطار دون إلزام الجهات المتحكمة في البيانات بالإخطار الفوري عن خروقات البيانات، وفرض جزاءات فعّالة ومتناسبة ورادعة تضمن الامتثال وتحمي الثقة العامة، علاوة على التطبيق الفعلي والتدخل السريع للتصدي لتلك الخروقات.

* تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي والقرارات المؤتمتة 


يستدعي الانتشار المتسارع للأنظمة الذكية تنظيماً قانونياً خاصاً للذكاء الاصطناعي، ولا سيما في ما يتعلق بالقرارات المؤتمتة ذات الأثر الجوهري على حقوق الأفراد. 

ويُعد اشتراط إجراء تقييم مسبق لأثر هذه الأنظمة على الحقوق والحريات الأساسية قبل نشرها أو تشغيلها من أهم أدوات الوقاية القانونية، وينبغي ضمان حق الأفراد في الحصول على تفسير مفهوم لأسس القرار الآلي، وحقهم في مراجعة بشرية حقيقية وفعّالة، بما يمنع تحوّل الخوارزميات إلى سلطة غير قابلة للمساءلة. 

وتُضاف إلى ذلك ضرورة فرض اختبارات دورية للكشف عن الانحياز والتمييز الخوارزمي، ومعالجة أوجه القصور التي قد تؤدي إلى نتائج غير عادلة أو تمييزية.

* نحو إطار متوازن لتنظيم المحتوى الرقمي 


يتطلب تنظيم المحتوى الرقمي تبنّي مقاربة قانونية متوازنة تحمي النظام العام دون المساس بجوهر حرية التعبير، ويقتضي ذلك وضع معايير واضحة وشفافة لإدارة المحتوى، سواء من قبل الجهات العامة أو المنصات الرقمية، مع ضمان حق المستخدم في الإخطار المسبق بأيّ إجراء يتخذ بحقه، وتقديم مبررات واضحة، وإتاحة سبل الطعن والمراجعة. 

ويجب أيضاً تفادي تفويض سلطة تنظيم الخطاب العام بالكامل للمنصات الخاصة دون رقابة قانونية، حفاظاً على التوازن بين المصلحة العامة والحقوق والحريات الأساسية.

* توفير حماية خاصة للفئات الهشّة والأولى بالرعاية في الفضاء الرقمي


تفرض العدالة الرقمية اعتماد حماية قانونية معززة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر الرقمية، وفي مقدمتها ذوو الإعاقة والأطفال. 

ويشمل ذلك إلزامية الإتاحة الرقمية في الخدمات والمواقع والتطبيقات، بما يضمن وصول ذوي الإعاقة إليها دون تمييز، كما يتعين وضع ضوابط صارمة لحماية الأطفال من التتبع الرقمي، والاستهداف الإعلاني غير المشروع، والتصاميم المضللة التي تستغل ضعف الإدراك أو قلة الخبرة، بما ينسجم مع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.


* وجود جهة رقابية مستقلة
حيث إنه لا يمكن إنفاذ الحقوق الرقمية بفعالية دون وجود جهة رقابية مستقلة تتمتع باستقلال إداري ووظيفي حقيقي، وينبغي أن تُمنح هذه الجهة صلاحيات تحقيق وإنفاذ فعّالة، تشمل الرقابة، والتفتيش، وفرض الجزاءات، وتسوية الشكاوى. 

ويكتسب التعاون الدولي أهمية متزايدة في ظل الطبيعة العابرة للحدود لمعالجة البيانات والخدمات الرقمية، ما يستدعي آليات تنسيق وتبادل معلومات مع الجهات النظيرة على المستوى الإقليمي والدولي.

* إدماج الحقوق والثقافة الرقمية في السياسات التعليمية


يُعد إدماج الحقوق والثقافة الرقمية في السياسات التعليمية أحد أهم أوجه الوقاية القانونية الطويلة الأمد. 

فتعزيز الوعي الرقمي منذ المراحل التعليمية المبكرة يسهم في بناء مواطنة رقمية قائمة على المعرفة، والمسؤولية، والقدرة على الاستخدام الآمن والواعي للتكنولوجيا، ولا يقتصر هذا الدور على التعليم النظامي، بل يمتد إلى برامج التدريب المستمر والتوعية المجتمعية، بما يعزز قدرة الأفراد على حماية حقوقهم الرقمية والمشاركة الفاعلة في الفضاء الرقمي.

نحو عقد اجتماعي رقمي جديد:
ونختم مقالنا بالتأكيد أن جوهر الحقوق الرقمية لا يكمن في إعاقة الابتكار، بل في توجيهه ضمن حدود قانونية تحمي الإنسان وتُرسّخ الثقة، والتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس سرعة التطوّر التكنولوجي، بل قدرة التشريعات والمؤسسات على مواكبته دون التفريط في الكرامة الإنسانية وسيادة القانون.

فالتحول الرقمي الناجح ليس هو الأكثر تقدماً تقنياً فقط، بل أيضاً هو الأكثر احتراماً للإنسان، والأكثر التزاماً بالعدالة، والأقدر على بناء مجتمع رقمي آمن، منصف، وجدير بالثقة.

 

* المستشار القانوني والاجتماعي والخبير في القانون الدولي، والباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.