الكابلات الفولاذية تُعزّز مقاومة توربينات الرياح البحرية للزلازل

تكنولوجيا 04-08-2026 | 07:50

الكابلات الفولاذية تُعزّز مقاومة توربينات الرياح البحرية للزلازل

توربينات الرياح البحرية المدعّمة بالكابلات تعزز مقاومة الزلازل والأمواج، وتخفض الأعطال، وتدعم استدامة مشاريع الطاقة النظيفة والتمويل.
الكابلات الفولاذية تُعزّز مقاومة توربينات الرياح البحرية للزلازل
توربينات الرياح البحرية | Bureau Veritas (مواقع)
Smaller Bigger

*د. نجوى ازهار 

 

 

يبدو توربين الرياح البحرية، من بعيد، منشأة هادئة تدور فوق صفحة الماء. لكن الصورة الهندسية في الأعماق أكثر تعقيداً بكثير. فالبرج الذي يحمل شفرات عملاقة يتعرض على امتداد عمره التشغيلي لضغط الرياح، وحركة الأمواج والتيارات، واهتزازات مستمرة، وربما لهزات زلزالية مفاجئة. ومع زيادة حجم التوربينات وقدراتها، أصبحت كل منشأة أعلى كلفة وأكثر حساسية، وأضحى أي عطل فيها قادراً على تعطيل إنتاج كبير من الكهرباء ورفع نفقات الصيانة والتأمين.

 

هذه المعضلة هي نقطة الانطلاق في دراسة حديثة نشرها باحثون من جامعة سيدني للتكنولوجيا، بدعم هندسي من شركة "أروب"، في مجلة Ocean Engineering. اختبر الفريق توربيناً بحرياً بقدرة 15 ميغاواط مقاماً على أساس أحادي الركيزة، وهو أنبوب فولاذي ضخم يُثبّت في قاع البحر ويحمل البرج فوقه. وقارن الباحثون بين التصميم التقليدي وتصميم مبتكر تحيط به كابلات فولاذية عالية المقاومة متصلة بدعامات خارجية، على نحو يستلهم الجسور المدعّمة بالكابلات.

 

لا تقوم الفكرة على تغيير التوربين أو مضاعفة سماكة البرج، بل على إعادة توزيع القوى التي يتعرض لها. فالكابلات المشدودة تزيد صلابة البرج في مواجهة الانحناء، وتخفض اتساع الاهتزازات، وتحد من احتمال الرنين مع أنماط الاهتزاز العليا. وعندما يحدث الرنين، يمكن لحركة تبدو محدودة أن تتضخم، فتولد إجهادات تفوق ما توحي به شدة الحمل الأصلي. أما في الأبراج الرقيقة، فقد تتشوه المقاطع الدائرية تدريجياً إلى شكل بيضوي، ما يضعف مقاومتها ويقربها من الانبعاج.

 

أُخضع النموذجان لمحاكاة رقمية متقدمة تجمع بين الرياح والأمواج وثلاثة سيناريوهات زلزالية، وفق معايير التصميم البحري المعمول بها. وأظهرت النتائج أن النظام المدعّم خفّض تسارع البرج وإجهاداته وتشوهاته، وقلل القوى الداخلية في أجزائه العليا. وفي حالات وصل فيها البرج التقليدي إلى التشوه الدائم أو الانبعاج، بقي النموذج المدعّم سليماً من الناحية الإنشائية. كما كاد التصميم أن يلغي ظاهرة تحوّل المقاطع الدائرية إلى شكل بيضوي على امتداد البرج.

 

الأهم من الأرقام الهندسية هو التحول في طريقة التفكير. غالباً ما تُقيّم المخاطر كلٌّ على حدة: نموذج للرياح، وآخر للأمواج، وثالث للزلازل. غير أن المنشأة في الواقع لا تختار الخطر الذي ستواجهه. فقد تضرب هزة أرضية بينما البحر مضطرب والتوربين يعمل تحت رياح قوية. وقد تختلف النتيجة جذرياً عن حاصل جمع ثلاثة اختبارات منفصلة، بسبب التفاعل بين التربة والأساس والماء والبرج والمكونات الدوارة.

 

من هنا، تدفع الدراسة نحو الانتقال من "التصميم وفق الخطر" إلى "التصميم وفق النظام". فسلامة مزرعة الرياح لا تتوقف عند البرج وحده، بل تشمل الأساسات والكابلات البحرية ومحطات التحويل وخطوط الربط والموانئ وسفن الصيانة والشبكة الكهربائية. وإذا بقي أحد هذه المكونات هشاً، فقد يتوقف المشروع حتى لو صمد التوربين نفسه. المرونة الحقيقية هي قدرة المنظومة على امتصاص الصدمة، ومواصلة الحد الأدنى من الخدمة، ثم استعادة التشغيل بسرعة.

 

لهذا الابتكار أيضاً بُعد اقتصادي مباشر. في مشروعات الرياح البحرية، لا تقتصر خسارة العطل على ثمن القطعة المتضررة. فالانتظار حتى تتوافر سفينة متخصصة أو نافذة مناخية آمنة للصيانة قد يطيل فترة التوقف، فيما يستمر فقدان الإنتاج والإيرادات. وإذا أثبتت الكابلات قدرتها على خفض احتمالات الضرر، فقد تنعكس قيمتها على كلفة التأمين، وشروط التمويل، وعمر الأصل، واستقرار التدفقات النقدية. عندها تتحول الصلابة الإضافية من كلفة إنشائية إلى عنصر يعزز قابلية المشروع للتمويل.

 

وتبرز فائدة أخرى لا تقل أهمية: إمكان تدعيم الأصول القائمة. فبدلاً من تفكيك برج قديم واستبداله بالكامل، قد يسمح النظام بإطالة عمره أو تهيئته لاستقبال معدات أكثر قدرة ضمن مشروعات إعادة التزويد. وهذا ينسجم مع منطق الاقتصاد الدائري، لأنه يقلل استهلاك الفولاذ والطاقة والانبعاثات المرتبطة بالتصنيع والنقل والتركيب، ويؤجل وصول مكونات ضخمة إلى نهاية عمرها. لكنه يظل احتمالاً يحتاج إلى إثبات ميداني ودراسة دقيقة لكل أصل.

 

فالدراسة، على أهميتها، لا تمنح التقنية بعدُ شهادة جاهزية تجارية. إنها مبنية على نمذجة عددية، والبحر يضيف أسئلة لا تظهر كلها في الحاسوب: كيف ستتأثر الكابلات بالتآكل والملوحة والتعب المتكرر؟ كيف ستُراقب قوة الشد عبر السنوات؟ هل تعقّد الدعامات عمليات الوصول والصيانة؟ وما أثرها على الطيور والكائنات البحرية والملاحة؟ ثم ما الكلفة الإضافية مقارنة بالتوفير المتوقع من الأعطال التي تم تجنبها؟ الإجابة تتطلب اختبارات مخبرية، ونماذج بالحجم المناسب، ومشروعاً تجريبياً في البحر، وبيانات تشغيل طويلة الأمد.

 

أما عربياً، فالموضوع أبعد من خبر علمي قادم من أستراليا. يقدّر البنك الدولي الإمكانات التقنية للرياح البحرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 1.1 تيراواط. وفي المغرب وحده، تشير خرائط برنامج المساعدة على إدارة قطاع الطاقة إلى إمكانات تقنية تبلغ 200 غيغاواط ضمن مسافة 200 كيلومتر من الساحل، منها 22 غيغاواط للتوربينات ثابتة الأساس و178 غيغاواط للتوربينات العائمة. وهذه أرقام للإمكانات التقنية وليست مشروعات جاهزة أو قدرات اقتصادية قابلة للتنفيذ فوراً؛ إذ يجب استبعاد المناطق غير الملائمة بيئياً أو ملاحياً أو تجارياً، ثم تقييم الشبكات والطلب والتمويل.

 

مع ذلك، تكشف الأرقام حجم الفرصة. فالمنطقة العربية تمتلك سواحل واسعة، وموانئ ومراكز صناعية وطلباً متزايداً على الكهرباء والهيدروجين الأخضر وتحلية المياه. لكنها تضم أيضاً بيئات بحرية متباينة، وبعض الأحواض القريبة من نشاط زلزالي، إضافة إلى تحديات الحرارة والملوحة وعمق المياه. لذلك لا يجوز استنساخ نموذج صُمم لبحر الشمال ووضعه في الأطلسي أو البحر الأحمر أو شرق المتوسط من دون تكييف هندسي وجيولوجي وبيئي.

 

 

 

المطلوب هو إدخال المرونة منذ البداية في سياسات الطاقة البحرية، لا إضافتها بعد وقوع الضرر. ويشمل ذلك إعداد خرائط تجمع بيانات الرياح والأمواج والزلازل وخصائص التربة ومسارات الملاحة والتنوع البيولوجي؛ وتحديث اشتراطات البناء لتقييم الأخطار المتزامنة؛ وإنشاء مواقع تجريبية؛ وتطوير قدرات الجامعات والمختبرات والموانئ وسلاسل الإمداد المحلية.

 

كما يتطلب الأمر حواراً مبكراً بين الجهات المنظمة والمطورين والممولين وشركات التأمين والمجتمعات الساحلية، لأن المشروع القابل للحياة ليس مجرد توربين ناجح، بل منظومة تحظى بالقبول ويمكن تمويلها وتشغيلها وصيانتها محلياً.

 

وينبغي أن تتغير طريقة تقييم العطاءات أيضاً. فاختيار العرض الأقل كلفة عند الإنشاء قد يقود إلى كلفة أعلى طوال ثلاثين عاماً من التشغيل. الأفضل اعتماد معيار "الكلفة الكلية مع المخاطر"، بحيث تُحتسب احتمالات التوقف والخسائر والإصلاح والاستبدال وآثار الكربون. وتوصي الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، في مقاربتها لمرونة البنية الكهربائية، بمقارنة كلفة الاستثمار الوقائي بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن الانقطاعات والإصلاحات المتكررة، وربط المعايير المتكيّفة بتمويل استباقي وآليات لتقاسم المخاطر.

 

الرسالة التي تحملها الكابلات المقترحة تتجاوز البرج الفولاذي. فالتحول إلى الطاقة النظيفة لن يكون مستداماً إذا أنتج بنية تحتية منخفضة الانبعاثات لكنها مرتفعة الهشاشة. ما نحتاجه هو انتقال طاقي قادر على البقاء: منشآت تُصمم على أساس المخاطر الحقيقية، وتمويل يكافئ الوقاية، ومعايير تتطور مع العلم، ودول لا تنتظر اكتمال السوق العالمية كي تبدأ بناء معرفتها المحلية. ففي عالم تزداد فيه الصدمات، تصبح الطاقة النظيفة الموثوقة جزءاً من الأمن الاقتصادي، لا مجرد بند في سجل خفض الانبعاثات.

 

*خبيرة التنمية المستدامة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.