بدايات موسم الزيتون في لبنان... "حملان" كبير و"مقطوعية" قليلة
“نحب الزيتون ونكرهه، يحرمنا في موسمه من الكثير من الأمور ولم يعد مربحاً كما كان سابقاً مع ارتفاع تكاليف الاهتمام به من تشحيل إلى فلاحة وقطف لكن قلبياً التعلق فيه كبير، لا أذكر في أي سنة كان الموسم الأول الذي اصطحبني أبي فيه معه إلى القطاف لكن ذلك حصل في صغري.” بهذه العبارات يختصر ابن بلدة جبلا (قضاء البترون) الثلاثيني شربل أبي شاهين علاقته بالزيتون والموسم الذي أينع فيه وحانت ساعة قطافه.
الزيتون الذي يتحوّل بغالبيته في كل المناطق اللبنانية إلى “تنكات” زيت تشكل عماد المونة في أي منزل بدأ موسمه فعلياً في بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر في كل المناطق الساحلية اللبنانية ويمتد قطافه في المناطق الجبلية المرتفعة عن سطح البحر بما يزيد على 800 متر حتى نهاية شهر كانون الأول.
“النهار” جالت في الأسبوع الثاني من الشهر الأول في الموسم في قرى قضاء البترون شمالاً فعاينت وقوف الناس عند أرزاقها مع العمال والأشجار التي تكسرت بعض أفنانها وأغصانها بسبب حملها الزائد عن المواسم الماضية والمعاصر التي عادت إليها الزحمة والطوابير والعمل الذي يمكن أن يصل إلى 18 ساعة من أصل 24.

معصرة حجر قديمة
في منطقة البترون وحدها عدد لا بأس به من المعاصر لا يقل عن 30 معصرة موزعة على أكثر من 60 بلدة في القضاء.
السبعيني الياس عساف دوين صاحب إحدى هذه المعاصر القديمة في بلدة جبلا (قضاء البترون) المعروفة بمعصرة الحجر يجلس ككل عام يراقب عماله وماكيناته لساعات بلا توقف كما يحرص على حسن سير “الدور” كي لا يُستفز أي زبون.
أهالي البلدة والبلدات المحيطة اعتادوا على العصر عند دوين وخلال رحلة الاستدلال على معصرته أثنى كل من أسهم في إرشادنا على أن هذا الموسم ليس كغيره بالنسبة إلى هذا الرجل كون زوجته توفيت منذ نحو شهر وكان يعتزم ألا يفتح معصرته لكنه لم يستطع مقاومة طقوس سنوية باتت محركاً وسبباً في إكمال سنته.
“بالنسبة لي الموسم لم يبدأ، الزيتون فج و”مقطوعيته” سيئة على الرغم من أن موسم الحملان جيد لكن الناس استعجلت فقررت تلبيتها باكراً.”
المقصود هنا بـ”مقطوعية الزيتون” معدل كيلوغرامات الزيتون التي تعطي تنكة زيت تتمثل بـ16 كيلوغراماً من الزيت في عبوة بلاستيكية زرقاء اللون.
يشرح دوين عملية العصر عنه بالقول “في البداية يمر الزيتون في منفخ هواء ينظف الزيتون من الأوراق ثم ينزل إلى غسالة مياه ثم على كسارة تسكر الحبات قبل أن تطحن بالأحجار الكبيرة ثم يكبس مكبس ضخم ليعطي الزيت الأولي الذي بدوره يصفى فيتحول إلى زيت زيتون صافٍ ونظيف.”

تكلفة العصر تراوح بين 16 و25 دولاراً
في إحدى معاصر بلدة شبتين في القضاء نفسه لا يبدو حال التنظيم “أهلية بمحلية” كما هو الحال في معصرة دوين. الأمور تبدو أكثر تنظيماً وصاحب المعصرة المختار السابق للبلدة جان غناطيوس يجلس في مكتب مع وصولات استلام زيتون وتسليم زيت وفواتير مطبوعة وسط عدد من الماكينات الحديثة التي يمكن اعتبارها من أكثر المعاصر تطوراً في الشمال وربما في لبنان.
غناطيوس يعتبر في حديثه مع “النهار” أنه منذ بدء تأسيس المعصرة في العام 1982 على أيام والده كان الهم الأول والأخير شراء أحدث الماكينات وتغيير مفهوم الناس للمعصرة وخلق ثقة مع المزارع لدرجة أن يترك الأخير زيتونه في نهاية اليوم ويعود في اليوم الثاني لاستلام الزيت دون عناء ملاحقة مراحل العصر والتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام.
ووفق غناطيوس “40 طناً في اليوم ممكن أن تعصر هذه الماكينات الإيطالية لكن على ضخامتها لا قيمة لها دون المزارع وأصحاب الأراضي لذا قررنا وعلى الرغم من ارتفاع كل التكاليف الاستمرار بتسعيرة الـ16$ على كل تنكة زيت تعصر بمعدل دولار واحد للكيلو كما نبيع تنكة الزيت لمن يريد بمعدل 150$ و100 كيلو زيتون بـ100 دولار لمن يريد مشاهدة العصر أمامه.”
ثلاثة مشاهد تختصر موسم الزيتون اللبناني… مزارعون وأصحاب أراضٍ في حقولهم يجمعون مئات آلاف حبات الزيتون التي انتظروا نضوجها عاماً بعد عام معصرة حجرية قديمة لا تزال تحافظ على طقوس العصر التقليدي وأخرى حديثة تواكب التطور وتختصر الوقت والجهد. موسم أقل ما يقال فيه إنه تجديد لعلاقة اللبنانيين بأرضهم رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المردود وغياب مشهد أساسي لا يمكن تجاهله وهو قطاف أهالي الجنوب والقرى الحدودية زيتونهم كالمعتاد.

نبض