الزيت والزيتونة: مصدر رزق السوريين وأساس المونة

العالم العربي 16-10-2026 | 06:17

الزيت والزيتونة: مصدر رزق السوريين وأساس المونة

تعرف على قصة زراعة الزيتون في سوريا وعلاقتها بحياة المزارعين، موسم القطاف، وأنواع الزيتون المستخدمة في المائدة والزيت.

الزيت والزيتونة: مصدر رزق السوريين وأساس المونة
يمتد موسم قطاف الزيتون من الشهر العاشر حتى الشهر الثاني في السنة. (النهار)
Smaller Bigger

دمشق - مروة البرغش

 

على المائدة السورية، يحضر زيت الزيتون إلى جانب الزعتر والزيتون. وفي المونة الشامية، يختبئ المكدوس وكرات اللبنة تحت طبقة من الزيت تحفظها أشهراً طويلة. فعلاقة السوريين بالزيتونة لا تتوقف عند الطعام، لأن الشجرة التي ورثوا زراعتها عن أجدادهم تحولت بالنسبة لكثيرين إلى مصدر رزق وموسم ينتظرونه عاماً بعد آخر.

في أسواق سوريا، تتوزع صناديق الزيتون بأشكال وأحجام مختلفة، وتحمل أسماء أصناف متعددة، منها النابالي والدان والبلدي والسلقيني والزراعي، ولكل نوع استخدامه وموعده وطريقة التعامل معه.

وفي قدسيا بريف دمشق، حيث مزارع البجاع، يعتني أبو عمر الطير وأسرته بأشجار الزيتون التي ارتبطت حياتهم بها منذ سنوات. يمسك الطير بحبة من محصوله ويشرح لـ"النهار": "هذا الزيتون اسمه دان حسن، للأكل أكثر من الزيت، وما شاء الله، رزق وفير". 

 

شجرة تحتاج إلى عناية

ويحتصر منذر الطير علاقته بالأرض بمثل يعرفه المزارعون جيداً: "كل شيء بالأمل إلا الزراعة بالعمل". فلا تأتي وفرة المحصول من دون عمل. يوضح منذر الطير أن الأرض تحتاج إلى الفلاحة والاهتمام المتواصل، وبعض أشجار الزيتون تُفلح نحو ست مرات في السنة.

يقول: "كلما فلحتِ الأرض أكثر، كلما أعطتكِ أكثر"، قبل أن يشبه العناية بالزيتونة بتربية الطفل: "الزيتون يحتاج إلى عناية مثل الولد، عندما تطعميه وتدلليه، يكبر مثقفاً ومرتباً".

وللزيتونة مكانة خاصة في حياة الطير، لا باعتبارها محصولاً فقط، بل شجرة ارتبط بها أهل المنطقة جيلاً بعد جيل: "إنها شجرة رب العالمين، قسم فيها، والرزق الذي يرزقنا الله به".

 

من الشهر العاشر يبدأ القطاف

يمتد موسم قطاف الزيتون، بحسب الطير، من الشهر العاشر حتى الشهر الثاني في السنة، وتختلف مواعيد القطاف بحسب نوع الزيتون والغرض منه.

فالزيتون المخصص للمائدة يُقطف في مراحل مختلفة، وبين الأنواع التي يتم التعامل معها حالياً الزيتون "المرصوص" أو "المجرّح"، فيما تختلف المعاملة مع أنواع أخرى كلما تأخر قطافها.

ويشير الطير إلى أن تأخير قطاف الزيتون المخصص للعصر يؤثر في الزيت الناتج منه، ويقول إن الزيتون "كلما تأخرنا في قطافه، كلما خفت الحموضة فيه وخرج الزيت طيباً وثقيلاً"، مع اختلاف النتيجة بحسب النوع.

ويُعد النابالي من الأصناف المستخدمة للزيت والمائدة، فيما يصف الطير الدان البلدي والزراعي بأنه من الأصناف التي تعطي نسبة زيت مرتفعة.

 

محصول يحمل تعب السنة

الزيتون ليس محصولاً عابراً بالنسبة للطير؛ فهو مصدر عيش ورزق توارثته العائلة. يقول: "الزيتون فيه تعب وجهد كبير، وهو مصدر عيشنا ومصدر رزقنا. من أجدادنا توارثناه وتعودنا عليه. كل شيء في الحياة صعب، لكننا مبسوطون به رغم التعب والمشقة، لأنه رزق حلال"، مضيفاً أن الزيتون "يجلب همه ويستر الحال"، حتى مع كل ما يرافقه من تعب وعناية.

هذا الموسم، يبدو الحمل أفضل من الموسم الماضي، بحسب الطير، ويربط ذلك بالأمطار والخير. ويقدر أن الشجرة قد تحمل نحو 175 كيلوغراماً في بعض الحالات، فيما قد يصل حملها في الحد الأدنى إلى نحو 50 كيلوغراماً. يقول: "إن شاء الله هذا الخير... خير الله الكثير".

 

"ماوي عالمعصرة لا تهاوي"

وبين أنواع الزيتون المخصصة للمائدة، يشرح الطير خصائص ما يسميه "الماوي": "إنه جاهز للرص، فيما يُستخدم العيطون الأخضر للمائدة أيضاً، ولا تكون نسبة الزيت فيه مرتفعة بما يجعله مخصصاً للعصر، لذلك يدخل أكثر في المونة".

وبالنسبة للقطاف، لا يرى الطير أن العصي والمشاطات الطريقة الأفضل لجمع المحصول، رغم شيوع استخدامها. يقول: "هذه الطريقة تتعب الشجرة وتقتل البراعم". فالطريقة التي يفضلها هي القطاف باليد، حبة حبة، لأنها برأيه تحافظ على الأغصان والبراعم وتساعد الشجرة على إنتاج أفضل في المواسم المقبلة.

ويشرح فكرته بمثال بسيط: "الشخص الذي يجلب الخير والطعام لعائلته، هل تضربه بالعصا بدلاً من أن تشكره؟". كذلك هي الزيتونة، برأيه، يجب أن تُعامل بعناية لأنها مصدر الخير للعائلة. يضيف: "نحن نعامل الزيتون معاملة حسنة. عشنا عليه، ونعرف كيف نعتني به ونتعامل معه، حتى لو كان متعباً".

 

من الخوف إلى موسم أفضل

لم تكن مواسم الزيتون دائماً بهذه السهولة. يستعيد أبو عمر الطير سنوات الحرب، حين كان نقل المحصول إلى المعاصر محفوفاً بالخوف والمخاطر. يقول إنهم في إحدى السنوات اضطروا إلى تفريغ محصول الزيتون على الحصى والإسفلت، بعدما خافوا من احتمال وجود متفجرات داخله.

يروي: "كبّوا لنا المحصول في الشارع على الإسفلت، وجمعناه حبة حبة لنتمكن من أخذه إلى المعصرة، وبقينا يومين حتى عصرناه"، واصفاً تلك الفترة بأنها كانت "صعبة جداً"، قبل أن يقارنها بالوضع الحالي الذي يراه "ممتازاً جداً".

ويأمل أن تبقى الأشجار مثمرة وأن يستمر أهل المنطقة في زراعتها: "الله يحمي هذه الأشجار وتظل تثمر ونظل في هذه الأراضي مستمرين العمر كله، إن شاء الله".

 

الزيتونة التي تعطي بقدر ما تُخدم

في النصف الثاني من الشتاء، يبدأ عصر الزيتون الذي تأخر قطافه، بحسب الطير، مع اختلاف الموعد ونسبة الزيت الناتج باختلاف الصنف.

لكن القصة بالنسبة لأهل الأرض لا تبدأ عند المعصرة ولا تنتهي عند المونة. هي تبدأ من الفلاحة والعناية بالشجرة، مروراً بالقطاف، وصولاً إلى الزيت والزيتون اللذين يعودان إلى السفرة من جديد.

فالزيتونة بالنسبة لهؤلاء المزارعين ليست مجرد شجرة موسمية؛ إنها عمل سنة كاملة، ومصدر رزق، وقطعة من مونة البيت، وشيء ورثوه كما ورثوا الأرض وطريقة الاعتناء بها.

 

الزيتون... الذهب الأخضر (تصميم النهار).
الزيتون... الذهب الأخضر (تصميم النهار).

 

 

"الزيتون... الذهب الأخضر" - ملف خاص من "النهار"

 

1- غاندي المهتار: الزيتون وزيته: بين المقدّس والرمزي

2- مهى كنج: موسم الزيتون في العالم العربي 2026: بين الزيت وزيتون المائدة

3- مهى كنج: الذهب الأخضر في العالم العربي 2025-2026: موسم الزيتون بين التراث والاقتصاد

4- جاد فقيه: بدايات موسم الزيتون في لبنان... "حملان" كبير و"مقطوعية" قليلة

5- فاتن كحيل: جنوب لبنان: حتى أشجار الزيتون باتت لها حدود

6- من فلسطين، مرال قطينة: زيتون فلسطين: موسم قطاف بالدم!

7- من غزة، أحمد زقوت: زيتون غزة في قبضة الحرب: خسائر بالملايين وكلفة إنتاج تتضاعف

8- ماجد كيالي: الأرض والزيتون يلخّصان قصة البقاء الفلسطيني

9- فرح نصور: فوائد زيت الزيتون والزيتون للصحة والجمال

10- ميرا فاضل: ليس للطهو فقط… الاستخدامات غير المتوقعة لزيت الزيتون

11- سارة أبو حمدان: آفات الزيتون في لبنان: الوقاية المبكرة أساس حماية المحصول وجودة الزيت

12- غاندي المهتار: تغيّر المناخ يهدّد زيتون المتوسط!

13- غاندي المهتار: زيت إسطنبول!

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران 10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان 10/14/2026 8:23:00 AM
استنكرت الخارجية الأميركية إحالة شكوى ضد ندى حمادة معوض إلى القضاء العسكري، معتبرة أنها تُستهدف لتنفيذها سياسة حكومتها والمشاركة في مفاوضات تقودها واشنطن.
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.