ليس للطهو فقط… الاستخدامات غير المتوقعة لزيت الزيتون

ثقافة 16-10-2026 | 06:23

ليس للطهو فقط… الاستخدامات غير المتوقعة لزيت الزيتون

يحمل زيت الزيتون تاريخاً يعود إلى آلاف السنين، وتُظهر الأدلة الأثرية أن شرق المتوسط والمشرق كانا من أقدم مناطق إنتاجه وزراعته.
ليس للطهو فقط… الاستخدامات غير المتوقعة لزيت الزيتون
زيت الزيتون في تفاصيل الحياة اليومية، من المائدة والعناية بالجسم إلى صناعة الصابون وإضاءة القناديل قديماً. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
Smaller Bigger

قبل أن يصبح زيت الزيتون نجماً على الموائد ومرادفاً للحمية المتوسطية، كانت له وظائف أخرى كثيرة. أضاء البيوت، ودخل في الطقوس الدينية وصناعة الصابون والعناية بالجسد، ووصل حتى إلى تدفئة المنازل وتزييت الأدوات. قصة "الذهب الأخضر" تكشف وجهاً آخر لعلاقة الإنسان بالزيتون عبر آلاف السنين.

 

يحمل زيت الزيتون تاريخاً يعود إلى آلاف السنين، وتُظهر الأدلة الأثرية أن شرق المتوسط والمشرق كانا من أقدم مناطق إنتاجه وزراعته. ومع الوقت، لم يعد الزيت مجرد غذاء، بل تحوّل إلى مادة تدخل في تفاصيل الحياة اليومية، من الضوء والنظافة إلى الجمال والطقوس والحِرف.

 

أكثر من زيت… شيء من البيت

لكن علاقة أهل الشرق الأوسط بزيت الزيتون يصعب اختصارها في الاستخدامات وحدها. في قرى كثيرة، يبدأ الحديث عن الزيت قبل أن تصل الزجاجة إلى المائدة: من أي أرض جاءت حبات الزيتون؟ متى قُطفت؟ وفي أي معصرة عُصرت؟ وقد تتحوّل مقارنة زيت هذه القرية بزيت أُخرى إلى حديثٍ عائلي طويل لا يخلو من شيء من الاعتزاز.

 

زيت الزيتون… ذاكرة الأرض وحضورٌ يومي في البيت. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
زيت الزيتون… ذاكرة الأرض وحضورٌ يومي في البيت. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

 

فالزيت هنا ليس مجرد مادة غذائية تُشترى عند الحاجة. كثيراً ما يصل في غالونات من بيت الأهل أو من محصول العائلة، ويُرسل إلى الأبناء والأقارب المقيمين في المدن أو في الخارج. وحتى من هاجروا بعيداً، يعرف بعضهم جيداً ذلك المشهد عند العودة من زيارة الوطن: مساحة في الحقيبة مخصّصة لعبوة زيت، كأن مذاقه يحمل معه شيئاً لا يمكن شراؤه من أي متجر.

 

ربما لهذا السبب تبدو شجرة الزيتون نفسها أقرب إلى فردٍ قديم من العائلة. تُورث الأرض التي تنمو فيها، وتتكرر مواسم قطافها جيلاً بعد آخر، فيما تبقى زجاجة الزيت على المائدة رابطاً صغيراً بين المكان ومن غادروه. بالنسبة إلى كثيرين في لبنان وبلاد الشام وسائر حوض المتوسط، مذاق الزيت ليس مذاق طعام فحسب: إنه، ببساطة، مذاق البيت.

 

قبل الكهرباء… كان هناك زيت الزيتون

لعل أحد أكثر استخداماته القديمة إثارة للاهتمام هو الإضاءة. فقد كان زيت الزيتون يُسكب في المصابيح الفخارية والمعدنية أو "القناديل"، ويُحرق بواسطة فتيل لإنارة البيوت والأماكن الدينية.

 

ولم يكن حضوره في الأماكن الدينية مقتصراً على الضوء. فقد ارتبط الزيت أيضاً بالمسح والتكريس والرمزية الروحية في عدد من ثقافات وديانات المتوسط، ما منح شجرة الزيتون نفسها مكانة تجاوزت قيمتها الزراعية والغذائية.

 

قنديل الزيت… أحد أقدم استخدامات زيت الزيتون في إنارة البيوت. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
قنديل الزيت… أحد أقدم استخدامات زيت الزيتون في إنارة البيوت. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

 

حين تحوّل الزيت إلى صابون

من أشهر الاستخدامات التي صمدت أمام الزمن صناعة الصابون. في نابلس، يُصنع الصابون التقليدي من زيت الزيتون والماء والقلوي، فيما يجمع صابون حلب بين زيت الزيتون وزيت الغار.

 

وعبر مدن وقرى المشرق، تحوّل الصابون من منتج للاستخدام اليومي إلى حرفة تنتقل بين الأجيال، مرتبطة بالحمّامات التقليدية والبيوت والأسواق القديمة. وفي عام 2024، أدرجت اليونسكو تقاليد مرتبطة بصناعة الصابون النابلسي وصابون الغار الحلبي على قائمة التراث الثقافي غير المادي.

 

صابون زيت الزيتون، حرفة لبنانية متوارثة ارتبطت خصوصاً بمدينة طرابلس. (Masbanat Awaida)
صابون زيت الزيتون، حرفة لبنانية متوارثة ارتبطت خصوصاً بمدينة طرابلس. (Masbanat Awaida)

 

زيت الزيتون: "صيدلية" البيت القديمة

في الطب الشعبي، حضرت زجاجة الزيت في كثير من البيوت باعتبارها حلاً جاهزاً لما هو أبعد من الطعام. استُخدمت في التدليك ودهن البشرة والشعر، كما تناقلت العائلات وصفات تعتمد الزيت الدافئ لتدليك الصدر أو المفاصل، أو لتدليك الأطفال بعد الاستحمام.

 

وفي بعض البيوت، استُخدم أيضاً لتليين قشرة رأس الرضيع أو تدليك بطنه عند المغص، وغيرها من الممارسات التي توارثتها الجدّات والأمهات.

 

لكن ما كان شائعاً لا يعني بالضرورة أنه توصية طبية حديثة. فبعض هذه الممارسات لم تثبت فعاليتها طبياً، فيما تشير أبحاث حديثة إلى ضرورة الحذر من استخدام زيت الزيتون على بشرة بعض الرضّع، وخصوصاً عند وجود أكزيما أو مشكلات في حاجز الجلد. لذلك تبقى هذه الاستخدامات جزءاً من التاريخ الاجتماعي والذاكرة الشعبية أكثر منها وصفات علاجية.

 

زيت الزيتون: للجمال أيضاً حصة

قبل ظهور رفوف الكريمات والسيرومات، وجد زيت الزيتون مكانه في وصفات العناية التقليدية. استُخدم لترطيب البشرة والشعر والتدليك، ودخل أحياناً في تحضير مراهم وزيوت عطرية ممزوجة بالأعشاب.

 

تعود هذه العلاقة بالجسد إلى حضارات المتوسط القديمة، حيث كان الزيت جزءاً من طقوس الاستحمام والعناية بالجسم، وليس مجرد مكوّن غذائي.

 

 

زيت الزيتون في الذاكرة المنزلية: استُخدم قديماً في بعض البيوت لتدليك الأطفال والعناية بهم ضمن ممارسات شعبية متوارثة. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
زيت الزيتون في الذاكرة المنزلية: استُخدم قديماً في بعض البيوت لتدليك الأطفال والعناية بهم ضمن ممارسات شعبية متوارثة. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

 

زيت الزيتون: من الخشب إلى مفصل الباب

بعض استخداماته المنزلية تبدو اليوم طريفة ببساطتها. فقطرات قليلة منه استُخدمت لتلميع بعض الأدوات والأسطح الخشبية، أو إزالة آثار المواد اللاصقة، أو تليين سحّاب عالق.

 

وفي بيوت كثيرة، كانت قطرة زيت حلاً سريعاً أيضاً لمفصل باب بدأ يصدر صريراً. قد تكون مواد التشحيم المخصصة اليوم أكثر فعالية للاستخدام الطويل، لكن هذه التفاصيل تكشف شيئاً من منطق البيت القديم: قبل شراء منتج جديد، كان الناس ينظرون أولاً إلى ما هو موجود في الخزانة.

 

استخدامات منزلية بسيطة لزيت الزيتون، من تلميع الخشب وإزالة آثار اللاصق إلى تليين السحّاب وتخفيف صرير مفصل الباب. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
استخدامات منزلية بسيطة لزيت الزيتون، من تلميع الخشب وإزالة آثار اللاصق إلى تليين السحّاب وتخفيف صرير مفصل الباب. (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

 

من القنديل إلى قالب الصابون، ومن طقوس العناية بالجسد إلى مفصل الباب، عاش زيت الزيتون حياةً كاملة خارج المطبخ. وهكذا، يبدو زيت الزيتون أشبه بخيطٍ يربط تفاصيل كثيرة من الحياة القديمة والحديثة معاً.

تغيّرت البيوت، واختفت القناديل، وتطورت أدوات العناية والتنظيف، لكن الزيت بقي حاضراً في الذاكرة كما على المائدة، محتفظاً بمكانته كجزء من حكاية يومية عمرها آلاف السنين.

 

 

الزيتون... الذهب الأخضر (تصميم النهار).
الزيتون... الذهب الأخضر (تصميم النهار).

 

"الزيتون... الذهب الأخضر" - ملف خاص من "النهار"

 

1- غاندي المهتار: الزيتون وزيته: بين المقدّس والرمزي

2- مهى كنج: موسم الزيتون في العالم العربي 2026: بين الزيت وزيتون المائدة

3- مهى كنج: الذهب الأخضر في العالم العربي 2025-2026: موسم الزيتون بين التراث والاقتصاد

4- جاد فقيه: بدايات موسم الزيتون في لبنان... "حملان" كبير و"مقطوعية" قليلة

5- فاتن كحيل: جنوب لبنان: حتى أشجار الزيتون باتت لها حدود

6- من دمشق، مروة البرغش: الزيت والزيتونة: مصدر رزق السوريين وأساس المونة

7- من فلسطين، مرال قطينة: زيتون فلسطين: موسم قطاف بالدم!

8- من غزة، أحمد زقوت: زيتون غزة في قبضة الحرب: خسائر بالملايين وكلفة إنتاج تتضاعف

9- ماجد كيالي: الأرض والزيتون يلخّصان قصة البقاء الفلسطيني

10- فرح نصور: فوائد زيت الزيتون والزيتون للصحة والجمال

11- سارة أبو حمدان: آفات الزيتون في لبنان: الوقاية المبكرة أساس حماية المحصول وجودة الزيت

12- غاندي المهتار: تغيّر المناخ يهدّد زيتون المتوسط!

13- غاندي المهتار: زيت إسطنبول!

 

 

الأكثر قراءة

دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران 10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان 10/14/2026 8:23:00 AM
استنكرت الخارجية الأميركية إحالة شكوى ضد ندى حمادة معوض إلى القضاء العسكري، معتبرة أنها تُستهدف لتنفيذها سياسة حكومتها والمشاركة في مفاوضات تقودها واشنطن.
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.