عثرَ على مذكّرة لافتة للنظر. كانت من صياغة مسؤول بارز في البنتاغون. لذا، قرّر تحويلها سريعاً إلى رئيسيه: "أعتقد أنّكما قد تجدانها مثيرة للاهتمام".
هكذا حثّ وزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفيلد الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني كي يطّلعا عليها. كان ذلك في 12 نيسان/أبريل 2001. فما الذي جاء فيها؟
من بوش الابن إلى ترامب
يسهل لوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أمور كثيرة. عدم استقرار سياساته على مسار معيّن هو أهمّها. قرار فرض الحصار على إيران ثم رفعه ثم تفعيله هو أول ما يخطر في الأذهان الآن. بصورة عامة، لا يُستخدم الحصار البحري لغايات تكتيكية. مع ترامب، تتحول هذه الوسيلة إلى تحقيق مقايضات سريعة. أراد الرئيس دفع إيران باتجاه إبرام اتفاق نووي (ومِلاحيّ) بنيّة حسنة. عملياً، لا تتأكد النوايا بلا أفعال. مع ذلك، قرّر ترامب رفع الحصار البحري في أواسط حزيران/يونيو بمجرد التوافق على مذكرة تفاهم أولية، بدلاً من فعل ذلك بعد التحقق من صلابة الاتفاق النهائي. مجدّداً، هذا مثلٌ واحد يصدف أنه حديث. يمكن التفكير بمثل أهمّ وأقدم بقليل؛ بخمسة أعوام تحديداً.
"أميركا عادت"، كما قال رئيس ليبرالي مؤمن بشبكة العلاقات التاريخية مع الحلفاء. تنفّست أوروبا الصعداء مع فوز جو بايدن بعد ولاية ترامب الصعبة. أو هكذا افترضت. بعد بضعة أشهر، سخر رئيس الوزراء البريطاني حينها بوريس جونسون من الرئيس الأميركي الجديد، على ما نقلته تقارير. ذاك أنّ بايدن رفض مراراً تلقي اتصالاته لمراجعة موقفه بشأن الانسحاب من أفغانستان. مضى بايدن قدماً في قراره. بعد أشهر قليلة، كانت فرنسا على موعد مع الصفعة. صفقة غواصات وقّعتها مع أستراليا ألغيت بشطبة قلم، لمصلحة صفقة جديدة مع إدارة بايدن. هل أمكن أي مخطط فرنسي توقع فعل كهذا من بايدن؟
ترامب والرسالة... "أيها الشاب لا تصدّقهم"
كان المسؤول في البنتاغون لينتون وَلز الثاني، وفي مراجعته الدفاعية الرباعية لسنة 2001، قد سلّط الضوء في المذكّرة التي لفتت نظر رامسفيلد على السرعة الرهيبة للتحولات الاستراتيجية التي حدثت في كل عقد من عقود القرن العشرين. سنة 1900، نظر البريطاني بارتياب إلى خصمه الفرنسي. بعد عشرة أعوام، سيتحالفان ضد ألمانيا. سنة 1920، سيخوض البريطاني سباق تسلح بحرياً ضد حليفه الأميركي. سنة 1930، تتوقع بريطانيا غياب الحرب لعشرة أعوام بسبب أزمة 1929 المالية. توقّعٌ سحقته الحرب العالمية الثانية. بعد عقد، تنتهي بريطانيا كقوة عظمى، وفي مطلع الستينات، لم يكن أحد قد سمع بفيتنام. سنة 1980، كان العالم يتحدث عن "ضعف" أميركا و"نافذة الفرصة" للسوفيات. لم يكن "الضعيف" هو الذي انتهى من الوجود بعد عقد تقريباً.
ما يُستشفّ من الرسالة-المذكّرة أن العالم شديد التقلب ويصعب التنبؤ بمساره، مع أو بدون وجود ترامب. حين أبرم رئيس أوكرانيا الأسبق ليونيد كوشما مذكرة بودابست مع رئيس الوزراء البريطاني جون مايور ومع نظيريه الأميركي بيل كلينتون والروسي بوريس يلتسين، حذّره الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بصرامة: "يا أيها الشاب، لا تصدّقهم، سيخدعونك". تعجّب كوشما وأكّد أنه يثق بكلينتون ويلتسين. من كان محقاً، كوشما أم ميتران؟ ينحاز المراقب أكثر إلى ميتران. لكن هل أتى تحذير الأخير بناء على قراءة للواقع الروسي أم بناء على تنافس بلاده الاستراتيجي مع أميركا؟
لا شكّ في أن سلوك ترامب يصعّب رسم الاستراتيجيات الطويلة المدى على معظم مخططي دول العالم، بمن فيهم مخططو إدارته. وهو يصعّب أيضاً حل المشاكل التي يساعد على توليدها. لكن ما مدى مساهمته في تعقيد الواقع؟ ببضع نقاط مئوية، على الأكثر.
نبض