غياب معلّق بين الأمل والموت... وعائلات تنتظر معرفة المصير (صور)
تمرّ على العالم عبر السنين قصص عابرة تنتهي، وأخرى لا تجد نهاية ويبقى جرحها مفتوحاً. وفي قصص المفقودين، حكايات وتفاصيل حفظتها الدقائق والساعات، ولم يتعب مَن ناضل وصبَر لكشف مصير أقرب الناس إليه. وفي 30 آب/أغسطس من كل عام، يحلّ اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، فيُفتح معه جرح المفقودين، علّه يحمل الجواب المنشود على السؤال... أين أحبابنا؟ ومع أن المناسبة مخصّصة لضحايا الاختفاء القسري، فإن مأساة الغياب تشمل أيضاً من فُقدوا في الحروب والهجرة وتحت الأنقاض.

من لبنان إلى العالم
بلد 10,452 كيلومتراً مربعاً أثقلته الحروب والأزمات فكان جرح المفقودين ملفاً لم يلق خواتيمه حتى اليوم. كل شيء مكتوبٌ عليه الموت إلا الذاكرة، وها هي الجدارية التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 19 آب/أغسطس 2026 في الحمرا - بيروت، أنجزها فنان الغرافيتي اللبناني "Spaz"، مستلهماً تصاميم قدّمها طلاب الغرافيك في الجامعة اللبنانية الأميركية، لتخلّد قضية المفقودين وقصّتهم على الحجر وفي عقول البشر. جدارية معبّرة أصبحت تنتظر هي أيضاً إجابات عن مصير من غاب.

من نضال عائلات المفقودين إلى هذه الجدارية، لم ينتهِ الانتظار، ولا تزال لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين تواصل المطالبة بكشف مصيرهم. وكانت الحكومة اللبنانية قدّرت عام 1992 عدد المفقودين والمخفيين قسراً بين عامي 1975 و1990 بـ17,415 شخصاً. في عام 2026، دخل الملف مرحلة جديدة بعدما وقّعت الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً واللجنة الدولية لشؤون المفقودين اتفاقاً يتيح استخدام نظام متكامل لإدارة بيانات المفقودين وتأمينها، في خطوة تهدف إلى تنظيم المعلومات والمساعدة في كشف مصيرهم.
سوريا وغزة... بصمة الحروب
تركت الحرب في سوريا، ومعها حقبة حكم آل الأسد، آلاف العائلات أمام جرح مفتوح. كبيرة هي مأساة العائلات السورية التي لم تلقَ جواباً ييطمئنها إلى مصير من تنتظرهم.

أمام سجن صيدنايا، وقفت امرأة مسنّة تنتظر ابنها الذي فُقد قبل أكثر من 10 سنوات، ولانا نعمان تحمل صورة والدها الذي اختفى عندما كانت طفلة ولا تزال تنتظر عودته.

وفق رئيسة المؤسسة المستقلّة المعنية بالمفقودين كارلا كينتانا، تُعدّ سوريا من بين الدول التي تضمّ أعلى نسبة من المفقودين في العالم، وتُقدّر أعدادهم بما بين 130 و300 ألف شخص، بين اختفاء قسري في عهد نظام الأسد، وأشخاص فُقدوا خلال الهجرة أو على يد جماعات مسلّحة، وأطفال فُقدوا خلال فترة احتجازهم.
وفي غزة، المشهد لا يقل قساوة مع آلة الحرب الإسرائيلية التي لا تتوقّف ولا ترحم. لا تزال آلاف العائلات تبحث عن مفقوديها، فيما تعتقد هيئة الدفاع المدني في غزة أن أكثر من 8 آلاف شخص لا يزالون مفقودين، ويُرجّح أن كثيرين منهم تحت الأنقاض، بينما يُخشى أن يكون آخرون محتجزين من دون إبلاغ عائلاتهم بمصيرهم.
إبراهيم الشاعر، أحمد المدهون، محمود الدرميلي والآلاف غيرهم... تبقي صورهم قصصهم حاضرة إلى أن يُكشف مصيرهم. وفي صيف 2026، قالت عائلة محمود إنها تعرّفت إليه في صورة متداولة لمعتقل فلسطيني معصوب العينين ومقيّد اليدين، لكنها لم تحصل حتى الآن على تأكيد رسمي لمكان وجوده أو مصيره.

الجزائر أيضاً...
تتصدّر في في الجزائر "مسيرة الأربعاء لأمهات المفقودين". منذ آب/أغسطس 1998، بدأت أمهات وأقارب الذين اختفوا خلال "العشرية السوداء" التجمّع في الجزائر العاصمة، حاملين صور أبنائهم وأقاربهم.
وأصبح الأربعاء موعداً ثابتاً أسبوعياً للمطالبة بالحقيقة والعدالة. من جهّتها، تصف "اليونسكو" هذه الحركة باسم "مسيرة الأربعاء لأمهات المفقودين".

الأرجنتين وكولومبيا وتشيلي والمكسيك... الصمود والمصير
في الأرجنتين، قصّة نضال مستمرّة كتبتها 14 أمّاً في 30 نيسان/أبريل 1977، إذ تجمّعن في ساحة مايو للمطالبة بمعرفة مصير أبنائهن وبناتهن الذين اختفوا خلال الديكتاتورية العسكرية. وعندما طلبت الشرطة منهن التحرّك، أمسكت النساء بأذرع بعضهن وبدأن السير حول هرم الساحة، قبل أن يتحوّل ذلك إلى تجمع أسبوعي كل يوم خميس. وبعد أشهر، أصبح المنديل الأبيض الذي وضعته الأمهات على رؤوسهن رمزاً لنضالهن ورفضهن السماح بطمس مصير أبنائهن.

في كولومبيا، حملت "أمهات ساحة كانديلاريا" صور أحبائهن المفقودين إلى شوارع ميديلين، مستلهمات تجربة أمهات ساحة مايو، وحوّلن البحث عن الغائبين إلى تحرّك أسبوعي للمطالبة بالحقيقة.

إيفا، الأم الكولومبية، انتظرت سنوات لمعرفة مصير ابنها غيلبرتو، الذي اختفى خلال النزاع المسلّح. وبعد نحو 10 سنوات، عُثر على رفاته في منطقة المحيط الهادئ عام 2017، لتعرف والدته أخيراً ما حلّ به، بعد سنوات من البحث والانتظار.
قصّة إيفا لا تنهي الوجع، لكنّها تذكّر بأن البحث، مهما طال، قد يقود يوماً إلى معرفة المصير.
قصّة الحركة النسائية أيضاً تصدّرت في تشيلي، إذ تأسّست "رابطة عائلات المعتقلين المفقودين" (AFDD) في أواخر 1974، بعد انقلاب أوغستو بينوشيه.
وكان معظم الباحثين عن المفقودين من النساء، فتظاهرن وأضربن عن الطعام واعتصمن إلا أنّهن ابتكرن أيضاً واحداً من أقوى الرموز البصرية في تاريخ حركات المفقودين: "الكويكا المنفردة" (Cueca Sola) 1978، فيها ترقص المرأة الرقصة الوطنية التشيلية وحيدة وتحمل على صدرها صورة الزوج أو الابن المفقود.
في المكسيك، من رحم الأزمة، وُلدت حركة "الأمهات الباحثات" (Madres Buscadoras)، فلم تعد الأم تنتظر الدولة في الساحات ولكن تنزل بنفسها إلى الأرض بحثاً عن المقابر السرية ورفات أبنائها. وفي 2026، ما زالت هذه المجموعات النسائية تشارك في مسيرات ضخمة وترفع صور المفقودين في الأماكن العامة.
المأساة تتكّرر عالمياً...
تضم بلدان عدّة حركات مماثلة، بحثاً عن من فقدوا ولم يبقَ منه إلا الصور، كـ إيران الوقعة تحت الحرب منذ 6 أشهر. منذ الثمانينيات، وخصوصاً بعد الإعدامات الجماعية للسجناء السياسيين في 1988، أخذت عائلات الضحايا تتجمّع في منطقة خاوران قرب طهران، حيث دُفن كثيرون في قبور فردية أو جماعية بلا علامات.
كانت العائلات تزور الموقع يوم الجمعة بشكل متكرّر وتحمل الصور وتطالب بالحقيقة عن كيفية قتل أبنائها وأماكن دفنهم. حوّلت "أمهات وعائلات خاوران" مكان محاولة إخفاء الجريمة إلى مكان للذاكرة والمقاومة.
في تركيا، هناك "أمهات السبت" (Cumartesi Anneleri). حركة بدأت في 27 أيار/مايو 1995 في ساحة غلطة سراي بإسطنبول، واعتمد منظموها صراحة تجربة الأمهات الأرجنتينيات نموذجاً.
في كل سبت عند الظهر، يحمل الأهالي صور المختفين وورود القرنفل ويطالبون بكشف مصير أشخاص اختفوا في الحجز خلال الثمانينيات والتسعينيات. وقد استمرّت الحركة رغم المنع والاعتقالات والعنف ووصلت في 2024 إلى التجمّع رقم 1000.
في سريلانكا، برزت حركة "أمهات وعائلات المفقودين التاميل". في شباط/فبراير 2017، بدأت عائلات المفقودين احتجاجاً متواصلاً على جوانب الطرق في كيلينوتشي، وانتقلت الحركة إلى مناطق أخرى في الشمال والشرق.
كانت النساء، ولاسيما الأمهات، الوجه الأبرز للحركة، يحملن صور أبنائهن وأزواجهن ويطالبن الدولة بتفسير مصير الذين شوهد بعضهم للمرة الأخيرة في عهدة القوات الحكومية خلال عهد الرئيس مايثريبالا سيريسينا.
تأثّرت هذه الحركة بتجربة أمهات ساحة مايو في الأرجنتين. ولكن لم يكن الاحتجاج أسبوعياً هذه المرة، بل تحوّل في بعض الأماكن إلى وجود متواصل استمر سنوات.
في كشمير، تشكّلت رابطة أهالي الأشخاص المختفين "APDP"، التي أسّستها بارفينا أهانغار في 1994 بعد اختفاء ابنها، ثم أصبحت العائلات تتجمّع في سريناغار، في اليوم العاشر من كل شهر، حاملة صور المختفين.
وكانت الرسالة واحدة ومتكرّرة: إذا كانوا أحياء لنراهم وإذا ماتوا فأخبرونا أين جثامينهم.
استمرّت الاعتصامات الشهرية سنوات عدّة قبل أن تغيّر القيود على التجمّعات منذ 2019 شكل النشاط.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا يكمن سرّ النهضة الاقتصادية في الأرقام المالية وحدها، بل في تطوير البنية التحتية لأحد أكثر القطاعات التي تحرّك الأسواق وتسرّع النمو: قطاع الخدمات اللوجستية.
نبض