ترامب وإيران... هل يتقاعد "شرطيّ العالم" بعد الحرب؟
يقول أحد المفكّرين الأميركيين إن القوى العظمى "لا تتقاعد". جزء كبير من الإدارة الأميركية يريد ذلك. ضبابية الحرب على إيران تشرّع أسئلة مهمة.
هل من يذكر الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2025؟
هي نفسها الاستراتيجيّة التي قالت الشيء ونقيضه تقريباً، فقط لإرضاء جميع أجنحة "ماغا". في حينه، ضمّت الوثيقة جملة لافتة للنظر: "إنّ عهد تَحمّل الولايات المتحدة عبء إبقاء كامل النظام العالمي قائماً، كما حمل أطلس (السماء على كتفيه) قد انتهى".
اللافت للنظر في استحضار "أطلس"، الجبّار في الميثولوجيا اليونانية، أنه غير ملائم تماماً للوضعية الأميركية الراهنة. اضطرّ أطلس لحمل السماء على كتفيه تنفيذاً لعقوبة كبير الآلهة الإغريق زيوس بعدما حارب لمصلحة الجبابرة (تايتنز) ضد آلهة الأوليمب. بينما لم تكن حماية النظام العالمي عقوبة فُرضت على الولايات المتحدة وإنما جسّدت ضمانة لعدم عودة أهوال الحربين العالميتين، وفي الوقت نفسه، تأميناً لمصالحها الاقتصادية على المدى الطويل.
كذلك، ليست كلّ مهام الشرطي الأميركي حول العالم معقّدة. أحياناً يلجأ متخاصمان إليه لتتويج مسارهما الديبلوماسي، تحت إشرافه. في حالات كهذه، تصل إليه التسويات على طبق من فضة. الحرب بين الهند وباكستان هي أحد النماذج عن التسويات السهلة نسبياً. لذا، تبقى نظرية "شرطي العالم" أقرب إلى الواقع، وإن كان للمقارنة مع "أطلس" جاذبيتها التاريخية، خصوصاً لدى محبي الميثولوجيا اليونانية.
"شرطي العالم" والشرق الأوسط
ما يثير الاهتمام في تلك الاستراتيجية، خصوصاً بعد مرور نحو 10 أشهر على صدورها، التقليل من أهمية بقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فبعد ضرب إيران للمرة الأولى في أواخر ربيع 2025، والشروع في عملية السلام بشأن غزة، "سيتراجع السبب التاريخي الذي دفع أميركا إلى التركيز على الشرق الأوسط"، كما ذكرت الوثيقة.
لكن عودة أميركا مجدداً إلى قصف إيران بعد أسابيع على صدور الاستراتيجية أظهرت المعضلة الدائمة التي تواجه واشنطن: دور "شرطي العالم" ليس خياراً طوعياً. إنه أحد مظاهر القوة العظمى. بحسب المفكر في السياسة الخارجية الأميركية روبرت كايغان (نسيب مؤسِّسة "معهد دراسات الحرب")، إن "القوى العظمى لا تتقاعد".
يريد جزء كبير من فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقاعد أميركا كشرطيّ. أما الرئيس فيتأرجح بين اتجاهين. عمله كـ "شرطيّ للعالم" أقرب إلى نزعة موقّتة منه إلى تصوّر شامل. أوروبا وأوكرانيا "عبء" على أميركا؛ إيران ليست كذلك. على الأقل، لو لم تتحدَّ ترامب شخصياً ولو لم يصدف أن معارضتها لتوقيع اتفاق نووي جاءت بعد عملية فنزويلا الناجحة. في أميركا اللاتينية، لا تقاعدَ للشرطي. مع ذلك، قد يختبئ بعدٌ استراتيجي في سياسة ترامب الحالية تجاه طهران.
شرطي عالميّ... بدوام جزئي؟
ربما يدرك ترامب فعلاً خطورة أن تتحول إيران الثورية إلى قوة نووية شرق أوسطية. حتى لو كان ذلك صحيحاً ثمة سؤال افتراضي أهم. لو تمكن ترامب من استشراف صعوبة إخضاع طهران، وانعكاس ذلك على حظوظ حزبه الانتخابية، هل كان ليعيد الكرّة إيماناً منه بأولوية منع انضمام هذه الدولة إلى النادي النووي؟ في النهاية، لا يختار الشرطي مهماته بناء على سهولتها والأضواء التي ستُسلَّط عليه بعد تنفيذها. لكن في السياسة الدولية الأمر أصعب.

الإجابة على هذا السؤال مهمة للتوقعات بشأن الحرب المحتملة في شرق آسيا. إذا تعثّرت العملية العسكرية ضد إيران فمن المؤكد أن تواجه تحديات أكبر هناك. والذخائر المتقلّصة في المخازن هي أحد الحسابات الحاضرة دوماً. لذلك، هل سيجرؤ شرطيّ العالم على التدخل في مضيق تايوان؟ تصريحات ترامب السابقة ومعاملته للرئيس الصيني شي جينبينغ توحي باحتمال للتردّد. المسار الضبابي للحرب على إيران يزيد هذا الاحتمال. لكنّ ترامب ليس صانع القرار الوحيد في الولايات المتحدة. ارتداء زيّ الشرطي من عدمه منوط بكامل المؤسسة في واشنطن. مع ذلك، سيظلّ تردّد أحد أركانها نبأ إيجابياً للمسؤولين في الصين.
نبض