التسوية مع إيران: هل قرأ ترامب "فنّ الصفقة"؟
لماذا عاند ترامب خلال التفاوض مع إيران النصيحة الأساسية في الكتاب الذي أصدره قبل نحو 40 عاماً؟
على سبيل الطرفة المعبّرة، قيل عن الأديب الفرنسي ألكسندر دوما الأب إنه غالباً ما قرأ كتبه. فقد اشتهر دوما بتوظيف كتّاب ظلّ لإصدار أو مساعدته على إصدار جزء من مؤلفاته.
تنقل هذه المقولة الساخرة المراقبين إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. في 26 أيار/مايو، قال "مسؤول كبير في (تيار) ماغا" لصحيفة "تلغراف" البريطانية: "كان فنّ الصفقة كتاباً عظيماً. على ترامب التفكير في قراءته". لمّح المسؤول حينها إلى "يأس" الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإبرام اتفاق مع إيران.
ترامب وإيران... "أنتَ ميت"
صدر "فنّ الصفقة" سنة 1987 وقد شارك في كتابته الصحافي توني شوارتز. حين أعلن عن ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية سنة 2015، قال ترامب أمام حشد مؤيد له: "نريد قائداً كتب فن الصفقة". ردّ شوارتز بشكر ترامب لاقتراحه أنه يجب عليه هو الترشح بصفته الكاتب الفعلي للمؤلَّف. على الأقل، وبعكس مساعد دوما أوغست ماكيه، حصل شوارتز على حق نشر اسمه على غلاف الكتاب. بصرف النظر عن الصراع بشأن من ألّف الكتاب – في النهاية دارت أحداثه حول حياة ترامب العملية – وعن ندم شوارتز لاحقاً على كتابته بسبب امتعاضه من شخصية ترامب، يبقى سؤال أساسيّ تثيره تسوية ترامب مع إيران: هل قرأ ترامب أهمّ نصيحة في الكتاب؟
وجّه ترامب و/أو شوارتز تحذيراً واضحاً للمتفاوضين من رجال الأعمال: "أسوأ شيء يمكنك فعله في اتّفاق هو أن تبدو يائساً لإتمامه. هذا يجعل الرجل الآخر يشتمّ (رائحة) الدماء، وعندها أنت ميت".

إن كان من تجسيد لهذه الحالة اليائسة للوصول إلى صفقة، فهي حالة الرئيس الأميركي مع إيران. منذ وقف الحرب وحتى لحظة إبرام التسوية، تحدث ترامب نحو 40 مرة عن اقتراب الاتفاق. وثمة حديث إيراني عن إفراج الإدارة عن نحو 12 مليار دولار في فترة الستين يوماً المقبلة، مقابل الإفراج عن مقدار مماثل من الأموال عند إبرام اتفاق نهائي. وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنه سيتم السماح لإيران مباشرة ببيع نفطها والاستفادة منه، مع رفع للعقوبات عن قطاعي البنوك والنقل. إذا صحّ ذلك فسيكون ترامب قد بدأ برفع العقوبات عن إيران بشكل أسرع مما فعله الرئيس الأسبق باراك أوباما – وبكمية أكبر.
ترامب يهدّد وإيران تَشْتَمّ الرائحة
يبدو ترامب يائساً للحصول على صفقة إلى درجة أن أحد كبار موظفي البيت الأبيض هدّد – إذا صحّ تقرير "إم إس إن" – المسؤولين المعارضين للاتفاق بالعزل. في مقدمة هؤلاء وزير خارجيته ماركو روبيو ووزير دفاعه بيت هيغسيث. (نقلت "إسرائيل هيوم" أجواء مشابهة). ولا يبدو أن ترامب يأخذ بنصيحة مدير وكالة "سي أي إيه" جون راتكليف حول أن إيران لا تفاوض بحسن نية. وبالنسبة إلى طهران، بدت المطالبة بتولي نائب الرئيس جي دي فانس ملفّ التفاوض في محلها. فالرجل كان منذ البداية ضد الحرب على إيران، بل ضد الحرب على الحوثيين حتى.

وبما أنّ وثيقة الاتفاق الأولي عبارة عن صفحة واحدة، لماذا لم تنشرها الإدارة الأميركية؟ وعد فانس بنشرها يوم الجمعة، لدى التوقيع الرسمي. لكن السبب المحتمل للتأخير هو إدراك الإدارة أن الضغط الذي سينجم عن نشر الوثيقة قبل التوقيع سيثير عاصفة سياسية هوجاء.
لقد اشتمّت طهران رائحة الدماء في يأس إدارة ترامب. فهل يصبح إرثه بحكم "الميّت"؟ على الأرجح، سيشبه إرثه إرث سلفه جو بايدن في أفغانستان بعد الانسحاب الكارثي من البلاد. بالمناسبة، كان ترامب هو من وضع خطة الانسحاب من أفغانستان. بينما كان بإمكان بايدن تغيير الخطة ولم يفعل ذلك، تتراكم الأدلة على وجود إلحاح غريب من ترامب على صفقات يائسة، وفاشلة في نهاية المطاف.
تريد أميركا رئيساً كتب "فنّ الصفقة"، كما قال ترامب. قد يكون الأهم حاجتها إلى رئيس يطبّق دروسه.
نبض