توقيت "كروي" سيئ لتهديد بيروت… نتنياهو لعق ما تبقى من عسل في جرّة ترامب
اختار بنيامين نتنياهو أسوأ توقيت لإغضاب أخيه الأكبر. روزنامة الرئيس دونالد ترامب مزدحمة بموعدين تاريخيين بالنسبة إليه. الثاني، البعيد نسبياً، هو الرابع من تموز/يوليو المقبل، ذكرى 250 سنة على إعلان استقلال الولايات المتحدة، أو بالأحرى ولادة أميركا بنسختها الحالية. أما الأول، القريب بشدة، فهو 12 حزيران/يونيو الجاري، موعد الافتتاح الرسمي الأميركي لبطولة كأس العالم في لوس أنجليس، الحفل الذي تعد "الفيفا" جمهورها حول الكوكب، كما تعد ترامب، بأنه لن يكون أقل من خلّاب.
لنا أن نتخيل ردة فعل الرئيس الأميركي الجالس في مكتبه، يقلب في دفتر مواعيده المبهرة، حين يعلم أن صديقه "بيبي" قرر فجأةً أن يهاجم بيروت، ضارباً عرض الحائط وقف نارٍ هشاً بين أميركا وإيران، ومسجلاً بالتالي هدفاً قاتلاً في مرمى الأخ الأكبر الذي لم يُعرف عنه أصلاً إجادته لعبة كرة القدم العادية، أو شغفه بها.
مكالمة الغضب
ولنا أن نتخيل أيضاً، وبصوت ترامب وملامحه حين يشتم، الاتصال الهاتفي بينه وبين نتنياهو، والذي تطايرت خلاله الإهانات كما لم تتطاير من قبل، من طرف واحد بالطبع، إذ لم يُبقِ ترامب ولم يذر، وقد اضطرت وسائل الإعلام العالمية إلى استخدام كثير من النجوم لاستبدال معظم حروف الكلمة الأميركية النابية، بينما استعان الإعلام العربي بأقل الترجمات ضرراً، مثل "إلى الجحيم" و"تباً"، وخلافه مما يتكرم به لسان العرب على المحرر لانتشاله من الحرج.
دعونا نتخيل، لمرة ثالثة وأخيرة، نتنياهو وقد اندفع كل دمه إلى رأسه واحتقن في وجهه. ها هو يكتشف، إهانة بعد أخرى، أنه لعق ما تبقى من عسل في جرّة حبيبه. نفد عسل ترامب أخيراً. الحرب التي سوّقها "بيبي" له بصفتها فيلماً يبدأ بمقتل "الأشرار" وينتهي بنظام جديد "رائع" في إيران، ها هي تمتد لأشهر يجد ترامب نفسه خلالها يغرق في ما لا يطيقه من وحولٍ داخلية، من أسعار النفط إلى شعبيته المتدهورة، إلى انشغاله بما لا يحب شغل نفسه فيه، إذا لم يكن بناء قاعة جديدة للبيت الأبيض مثلاً، أو وضع رسمه على ورقة عملة جديدة. وفوق وحل الداخل، يحمل مضيق هرمز صاعداً به الجبل ونازلاً، يبحث عن مخرج من هذه الورطة التي طالت أكثر بكثير من وعود نتنياهو الوردية، ولم تحقق بعد الانطلاق إلا قليلاً من الأهداف التي سجلها نتنياهو في مرمى إيران قبل صافرة البداية.

كأس العالم أولاً
الوضع الآن هو أفضل الممكن لترامب. وقف نار هش ومفاوضات، واستراحة محارب ضرورية خلال انشغال البشرية بمعشوقتها الأولى والأخيرة، وقد عادت إليها، على الموعد، بعد أربع سنوات من الانتظار. ولأن الكرة حطت في الولايات المتحدة، وفي زمن يريده ترامب ذهباً خالصاً، فلن يسمح لنتنياهو بإفساد بهجته من بوابة بيروت، خصوصاً أن لبنان يلتزم ما يطلبه منه الأميركيون، ولا يتأخر عن جلسة مفاوضات في واشنطن، على رغم الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تنقطع قط، بوقف نار ومن دونه.
ومع أن إيران بحاجة إلى وقف نار بدورها، تكرم فيه موتاها بدفنهم، ولو متأخرة، إلا أنها في وضعٍ أفضل للتهويل على ترامب بإفساد أفراحه التي تبدأ هذا الشهر، وتصل إلى ذروتها في عيد الاستقلال الشهر المقبل، وتُختتم به، على الأرجح، مسلّماً كأس العالم الى منتخب ما، لن يكون الولايات المتحدة، كما لن يكون إيران، لأن نجمتي الحرب الحالية هاتين، لديهما، ولكل منهما أسبابها، منتخبان متواضعان. لكنهما، على الأقل، مشاركتان في مهرجان الكوكب، على العكس من بلد نتنياهو الذي لا يحلو له التنكيل بلبنان إلا تزامناً مع كأس العالم، حتى بات للحدث طعم مرّ في فم اللبنانيين، على رغم ما نعرفه عن ولههم الجماعي بالمونديال، واستعدادهم للتخلي عن كل خلافاتهم الداخلية، والاختلاف الرياضي على المنتخبات التي يناصرونها ويرفعون أعلامها، وليس منها علم أميركا ولا إيران، ولا إسرائيل بالطبع، ولا لبنان أيضاً، للأسف.
نبض