مصر وتركيا... شراكة تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط

العالم العربي 18-07-2026 | 12:22

مصر وتركيا... شراكة تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط

منذ قيام الجمهورية التركية، والعلاقة مع مصر تتأرجح بين أن تكون وطيدة أو في قطيعة. وبين هذين الحدّين بقي الطرفان على دراية تامة بموقع كل منهما الاستراتيجي.
مصر وتركيا... شراكة تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط
وزير الدفاع التركي يشار غولر يستقبل نظيره المصري أشرف سالم زاهر بمراسم عسكرية في أنقرة. (الأناضول)
Smaller Bigger

تدخل العلاقات المصرية - التركية مرحلة جديدة، بعد سنوات من القطيعة والتباعد السياسي، مع توسّع التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بين البلدين. وجاء هذا التحول في ظل التغيرات الجيوسياسية التي أحدثتها حرب غزة، ثم الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وحلفائها، وما فرضته من إعادة نظر في موازين القوى الإقليمية. ورغم أن هذا التقارب لم يصل بعد إلى مستوى التحالف، فإنه يعكس سعياً مشتركاً لترتيب موقع القاهرة وأنقرة في شرق أوسط جديد.

 

من القطيعة إلى الشراكة

 

منذ قيام الجمهورية التركية، والعلاقة مع مصر تتأرجح بين أن تكون وطيدة أو في قطيعة. وبين هذين الحدّين بقي الطرفان على دراية تامة بموقع كل منهما الاستراتيجي.

الموقع الجغرافي للدولتين، معطوفاً على التحالفات التي تحيط بهما، مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة تركيا، ومصر لجهة الثقل الذي تمثله عربياً وأفريقياً، إلى جانب تنوّع تحالفاتها شرقاً وغرباً، يزيد من أهمية أي مسلك تأخذه العلاقة الثنائية.

وجاء صعود "الإخوان المسلمين" إلى رأس الحكم في القاهرة، ثم الإطاحة بهم، ليضع مسار هذه العلاقة في منحى انحداري وصل إلى حد القطيعة. لكن مفاعيل "طوفان الأقصى" وما أحدثه من تغيّر جيوسياسي في الشرق الأوسط أعادت الحرارة إلى خطوط التواصل المصرية - التركية.

وترجمة المواقف السياسية جاءت لاحقاً على شكل شراكات اقتصادية وعسكرية، في محاولة لترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وحلفائها. ومن تبعات هذه الحروب على العلاقات التركية - المصرية عودة التنسيق الأمني والعسكري من خلال تبادل زيارات رفيعة المستوى، إلى جانب إطلاق مناورات عسكرية مشتركة مثل "النسر الذهبي" و"نسر الأناضول".

وكانت آخر هذه الزيارات إلى أنقرة لوزير الدفاع المصري الفريق أول أشرف سالم زاهر، وقد وصفت بالتاريخية، لكونها جاءت بعد أكثر من 10 سنوات من القطيعة. واختتمت لقاءاته بالتوقيع على "خطاب نوايا حسنة" لتعميق التعاون الدفاعي وتكامل التسليح، إلى جانب اتفاقية لتطوير الصناعات العسكرية المشتركة ونقل تكنولوجيا الأنظمة الإلكترونية والمسيّرات.

والتنسيق الأمني يشمل كذلك، بحسب الأطراف المعنية، ضبط أمن البحر الأحمر، وتأمين الملاحة وبنية الطاقة في شرق المتوسط، كما يشمل التنسيق في ملفّي ليبيا وغزة.

 

وزير الدفاع التركي يشار غولر مستقبلاً نظيره المصري الفريق أول أشرف سالم زاهر لدى وصوله إلى أنقرة. (الأناضول)
وزير الدفاع التركي يشار غولر مستقبلاً نظيره المصري الفريق أول أشرف سالم زاهر لدى وصوله إلى أنقرة. (الأناضول)

 

تعاون عسكري يتوسّع

 

العضو السابق في المجلس العسكري المصري اللواء المتقاعد سمير فرج يقول في هذا الإطار إن التعاون العسكري بين أيّ دولتين مسألة طبيعية، و"أول مسألة في هذا التعاون هي المعلومات وهذه مسألة مهمة جداً".

ويضيف في حديثه مع "النهار" أن هناك تعاوناً عسكرياً في مجال التدريب المشترك بين مصر وتركيا، "وهذا يضع الطرفين على خط واحد، خاصة أن تركيا تعتمد أسلوب القتال الغربي، بينما مصر تعتمد العقيدة القتالية الشرقية. وهذا مهم في موضوع التعاون".

ويشير اللواء فرج إلى مسألة ثالثة مرتبطة بمجال التعاون، ولا سيما في التصنيع العسكري، وهي أن "مصر وتركيا قطعتا في الفترة الأخيرة شوطاً كبيراً جداً في مجال التصنيع العسكري، خاصة أن تركيا تقوم بتجميع طائرات 'أف-16' ومصر تقوم بتجميع دبابات 'أم 1 إيه 1'، فالتعاون العسكري بناءً على خطاب النوايا سوف يزيد في الفترة المقبلة".

وفي تركيا، يقول الباحث في مركز (SETA) للدراسات الأستاذ المشارك مراد أصلان، إنه "نظراً للموقف العدائي والتوسعي الإسرائيلي، يتعين على البلدين التقارب والتعاون لتعزيز الاستقرار الإقليمي".

وفي هذا السياق، يضع التعاون في القطاع الدفاعي، وفي مقدمته الصناعات الدفاعية، على أنه "ضرورة حتميّة" لتعزيز قدرات الطرفين من دون شروط، "لأننا نعلم أن شراء أيّ منتج من دولة أخرى يعني استيراد شروط معيّنة".

ويتابع في حديثه مع "النهار" أن من شأن الاعتماد المتبادل أن "يرسّخ الولاء"، وبالتالي لن تكون هناك حدود للعلاقات المصرية - التركية في قطاع الصناعات الدفاعية، إذ "تمتلك تركيا بالفعل تكنولوجيا ومنظومة متكاملة للصناعات الدفاعية، وبإمكانها بناء منظومة دفاعية فريدة من نوعها".

 

 

تقارب في المفاهيم والرؤى

"الاعتماد المتبادل"، بحسب توصيف الدكتور أصلان، أو "التعاون المشترك" كما يقول اللواء فرج، لم يصل بعد إلى مرحلة التحالف، فمسألة التحالف تخضع لحسابات كل طرف ومصالحه الجيوسياسية.

وفي السياق، يوضح فرج، الذي شغل سابقاً منصب الملحق العسكري المصري في أنقرة، أن "مصر لا تدخل في تحالفات، وهذا مبدأ وضعته لنفسها منذ زمن، وأكده الرئيس عبد الفتاح السيسي. لا تحالفات مع أحد ولا تحالفات ضدّ أحد، ولكن التقارب المصري - التركي ستكون له نتائج كبيرة في الفترة المقبلة".

ويشير إلى أن تركيا أدركت أخيراً أن التعاون مع مصر مهم جداً، "ومن هنا بدأ الاتفاق لأن هناك تحديات جيواستراتيجية، فتركيا جزء مهم جداً من دول الشرق الأوسط وتمثل الدولة التاسعة عالمياً في التصنيف العسكري ومصر ثاني دولة عسكرياً بعد تركيا في المنطقة"، ويستطرد أن هذا التعاون الثنائي "سوف يسبّب قلقاً لإسرائيل بشكل خاص".

والقلق هنا داخل إسرائيل، ومنها، بعد ما حققته ميدانياً في السنوات الثلاث الماضية. لذلك يجد الباحث التركي الدكتور أصلان أن بلاده ومصر تتشاركان الأهداف نفسها في ما يتعلق بـفلسطين ولبنان. فهما، برأيه، تسعيان إلى تعزيز قوّة هاتين الدولتين، "ليس من خلال التحديات، بل من خلال دمجهما في المجتمع الدولي والمنطقة. ولهذا السبب، تتشارك مصر وتركيا نفس وجهات النظر حيال هاتين القضيتين".

ويعرب عن اعتقاده بأن سوريا ولبنان وفلسطين يجب أن تكون جميعها منطقة سلام. ولذلك، "ستتفق كل من مصر وتركيا على السياسات اللازمة لمعالجة المتطلبات الأساسية".

 

قلق من التوازنات الجديدة

 

وفي متابعة للصحافة الإسرائيلية والمصرية، يظهر حجم التوتر السياسي بين الطرفين، مع تكرار الاتهامات من تل أبيب للقاهرة بأنها تقوم بحشد قواتها في سيناء، وهناك دائماً حذر وخوف إسرائيلي من تعاظم قوة الجيش المصري، على الرغم من اتفاق السلام بين الدولتين.

وهذه المشاحنة التي يُعبَّر عنها في الصحف ووسائل الإعلام، إنما تعكس في حقيقة الأمر قلقاً مصرياً أيضاً ممّا آل إليه الواقع الميداني الإقليمي لصالح إسرائيل، ووصوله إلى الاعتراف باستقلال أرض الصومال.

وعن أبرز التحديات يقول اللواء فرج: "هي الحرب الأميركية - الإيرانية الإسرائيلية وهذا يؤثر على المنطقة، خصوصاً إذا سقطت إيران سقوطاً كبيراً، فإن هذا من أهم التحديات للأمن القومي المصري، إضافة إلى أن إسرائيل عدو رئيسي ومحتمل لمصر وبالطبع نعتبرها أحد التحديات القوية".

وبناءً على ذلك، يعوّل على أن التعاون المصري - التركي في الفترة المقبلة "سيرتب موازين الأمن القومي في منطقة الشرق الأوسط عامة".

وعلى خط مواز، يشير أصلان بعين القلق إلى العلاقة الإسرائيلية مع قبرص واليونان، ويجد فيها تحدياً استراتيجياً مشتركاً لتركيا ومصر، وأن الدولتين تريدان أن يكون شرق المتوسط "بحراً للرخاء والسلام، وبإمكان مصر وتركيا تعزيز ذلك بسهولة".

وعلى الخط نفسه، يشدّد اللواء فرج على "تقارب في المفاهيم والرؤى"، وعندما يكون هناك تقارب بين تركيا ومصر ودول الخليج "سيكون هناك توازن جيواستراتيجي في المنطقة خصوصاً بعدما خرجت إيران منها".

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 7/17/2026 8:37:00 PM
احتفل أبناء الطائفة المندائية في العراق والعالم بـ"العيد الكبير"، الذي يمثل رأس السنة المندائية وأقدس مناسباتهم الدينية، مؤدين طقوس التعميد والاعتكاف والدعاء بالأمن والسلام، في عيد يجسد، وفق معتقدهم، انتصار النور على الظلام
منبر 7/16/2026 9:58:00 AM
By learning to observe our minds with attention and compassion, we discover that the greatest transformation is not becoming someone else, it is becoming more fully who we have the potential to be.
اقتصاد وأعمال 7/16/2026 12:33:00 PM
كيف علّق وزير الإعلام؟
لبنان 7/15/2026 7:31:00 PM
أقرّ مجلس النواب اللبناني خلال جلسته التشريعية حزمة من القوانين، أبرزها منح العسكريين وموظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية بمفعول رجعي، والموافقة على إنشاء مكتب لصندوق النقد الدولي في لبنان، إلى جانب تخصيص 200 مليار ليرة لصندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وإقرار اتفاق تعاون مع ألمانيا.