من يستطيع تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية؟
بقلم ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وزميل أول غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
قد يغادر بنيامين نتنياهو منصبه، لكن العقيدة الأمنية الإسرائيلية قد تبقى على حالها إلى حد كبير. فالنهج الذي ترسخ منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 يحظى بتأييد واسع بين المتنافسين على خلافته، وإن اختلفوا بشأن مساحة الأراضي التي ينبغي لإسرائيل الاحتفاظ بها، ومدى استعدادها لاستخدام القوة، والجهود التي يتعين بذلها للحفاظ على تعاون حلفائها. وقد تكون لهذه الاختلافات تداعيات بالغة على حياة الخاضعين للسلطة الإسرائيلية، إلى حد تحديد ما إذا كانت مساكنهم ستبقى قائمة أم لا. لكن على مستوى المنطقة بأسرها، قد لا يحدث تحول جوهري، إذ يمكن أن تصمد العقيدة نفسها أمام معظم التغييرات الحكومية.
في إطار هذه العقيدة، اتسع مفهوم "الوقاية" ليشمل تجريد الخصوم من القدرات التي تشكل تهديداً، ومنعهم من إعادة بنائها، وشن هجمات متجددة عليهم كلما رأت إسرائيل أنهم يستعيدون تلك القدرات. وبذلك، أصبحت غزة ولبنان وسوريا وإيران ساحات مترابطة ضمن مسعى لا تلوح له نهاية. وتخلق المناطق الأمنية والدمار والتدخلات المتكررة أوضاعاً تستدعي استمرار فرض الترتيبات القائمة بالقوة العسكرية. ويمكن للدبلوماسية أن تسهم في إدارة هذا الواقع، شرط الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي وحرية إسرائيل في العمل العسكري. وقد لا يأتي "اليوم التالي" أبداً.
اليمين الإسرائيلي وحدود التوسع
لا يتمتع اليسار الإسرائيلي بثقل سياسي يكفي لمواجهة هذا النهج، في حين يحظى اليمين بنفوذ أكبر بكثير، ولديه برنامج طموح يسعى إلى تحويل التفوق العسكري إلى ضم رسمي للأراضي وتطهير عرقي. ويتمتع أنصار هذا التوجه بنفوذ فعلي، قد يتعزز في ظل حكومة أخرى تميل إلى اليمين. غير أن تنفيذ برنامجهم بالكامل من شأنه تهديد علاقات إسرائيل بمصر والأردن ودول الخليج، وإرباك السياسات الإقليمية لواشنطن. بل قد يحرج قيادة أميركية أظهرت أنها لا تتأثر كثيراً بالإحراج. وتجعل هذه القيود تنفيذ البرنامج بأكمله أمراً مستبعداً، لكنها تترك مجالاً لتنفيذ أجزاء منه بصورة متفرقة.
يرى بعض العاملين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن البلاد تواجه أعباءً عسكريةً واقتصاديةً ودبلوماسيةً لا تستطيع تحملها إلى أجل غير مسمى. ويسعى هؤلاء إلى ترتيبات دبلوماسية تحول الإنجازات العسكرية إلى نتائج أكثر استدامةً، وتحد من الحاجة إلى القتال مجدداً. غير أن مقترحاتهم لم تفضِ حتى الآن إلى استراتيجية قابلة للتطبيق سياسياً تقطع مع الافتراضات التي تحكم السياسة الراهنة. وحتى خلال المفاوضات، يتمسك القادة الإسرائيليون بحرية واسعة في العمل العسكري، ما يعني مطالبة الشركاء المحتملين بإبرام اتفاقات قد تقرر إسرائيل لاحقاً عدم الالتزام بأحكامها.
الضغوط الأميركية وكلفة العقيدة الأمنية
قد تفرض الولايات المتحدة، في نهاية المطاف، قيوداً يجد القادة الإسرائيليون صعوبةً أكبر في التهرب منها. فالمواقف الأميركية تجاه إسرائيل تتغير، خصوصاً بين الأجيال الشابة، وإن كانت السياسة الأميركية أبطأ بكثير في الاستجابة لهذه التحولات. ومن المرجح أن تنعكس هذه التغيرات على السياسة الأميركية يوماً ما. وعندما يحل ذلك "اليوم التالي" الحقيقي، قد يجد القادة الإسرائيليون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع شروط تتعلق بالمساعدات العسكرية والحماية الدبلوماسية، بعدما اعتادوا تجنب مثل هذه الشروط. غير أن هذا الاحتمال يرتبط بجدول زمني يمتد إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بوقت طويل.
وقد تتجاوز تكاليف فرض هذه العقيدة ما يتوقعه المدافعون عنها. فالقدرات التي تُدمر يمكن إعادة بنائها، والسكان الذين يُهجرون لا يختفون، ولدى الأطراف المجاورة التي تتعرض لتدخلات عسكرية متكررة أسباب تدفعها إلى المقاومة. ومع ذلك، يمكن تفسير كل تطور من هذه التطورات باعتباره دليلاً على ضرورة اتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية. وهكذا، قد تؤدي الانتكاسات إلى ترسيخ العقيدة نفسها، وتأجيل إعادة النظر فيها إلى أن تتراكم التكاليف التي اعتقد أنصارها أنهم قادرون على تجنبها.
وفي نهاية المطاف، قد تأتي أقوى الضغوط الدافعة إلى التغيير من الاصطدام بالولايات المتحدة وبالواقع نفسه. لكن لا يمكن التعويل على حدوث أي منهما قبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
نبض