الكنيست الإسرائيلي على حافة الحلّ... هل يهرب نتنياهو إلى انتخابات مبكرة؟
مؤشرات قوية توحي بنيّة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اللجوء لسيناريو "المبادرة الذاتية" بحل الكنيست والدعوة لانتخابات مبكرة، بدلاً من اتخاذ موقف الدفاع وانتظار ضربة المعارضة القاضية لإسقاط ائتلافه، وسط ضغوط داخلية وخارجية تلاحقه منذ سنوات.
هذه الخطوة تطرح إشكالية حقيقية: هل يتحرّك نتنياهو مدفوعاً برغبة إنقاذ مستقبله السياسي والشخصي، أم أنها مناورة مدروسة لخلط الأوراق وحرمان خصومه وعلى رأسهم نفتالي بينيت من فرصة ترتيب صفوفهم؟
حسابات نتنياهو المعقدة بين التصعيد الإقليمي وصناديق الاقتراع
في قراءة للمشهد السياسي المتأزم، يرى الكاتب والباحث في مركز "تقدم للسياسات" أمير مخول أن نتنياهو، رغم امتلاكه حاضنة شعبية متماسكة شكلت ركيزة بقائه، بدأ يواجه تصدعات واضحة، لا سيما بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاهمات وقف إطلاق النار المتكررة على جبهات القتال.
هذه التطورات وضعت نتنياهو في مأزق استراتيجي يتقاطع مع حسابات ترامب المعقدة، وفتحت الباب أمام تسرب نسبة ولو ضئيلة من قاعدته نحو المعارضة الإسرائيلية، وهو أمر كافٍ لتفكيك ائتلافه الحاكم.
وعن فرضية "تبكير الانتخابات"، يوضح مخول لـ"النهار" أن الدورة الحالية للكنيست المستمرة منذ أواخر عام 2022 شارف عمرها القانوني على الانتهاء فعلياً (اشرين الأول/أكتوبر 2026). وبالتالي، فإن تقديم موعد الانتخابات بضعة أسابيع لا يعد "تبكيراً" بالمعنى السياسي، بل يندرج في سياق المناورات، إذ يسعى نتنياهو للهروب من استحقاقات قانون تجنيد "الحريديم" الذي يهدد شراكته التاريخية مع المتدينين "الأشكناز"، ما قد يصبّ في مصلحة تعزيز موقع غادي آيزنكوت في صدارة المعارضة بدلاً من نفتالي بينيت.
تحول اللوبيات الأميركية... وورقة "الضحية"
تلعب المتغيرات الدولية دوراً حاسماً، إذ لم تعد الإدارة الأميركية تضمن بقاء نتنياهو، خاصة مع التحول الجذري في موقف اللوبيات اليهودية الأميركية، وفي مقدمتها المليارديرة ميريام أديلسون التي دعمت حملة ترامب بنحو 100 إلى 150 مليون دولار وباتت تقف في معسكر مناهض لاستمرار نتنياهو في الحكم.
أمام هذه المعطيات، يرى مخول أن نتنياهو قد يتجه نحو التصعيد الإقليمي كرافعة سياسية، فإعلان الانتخابات سيعطل فوراً الإجراءات التشريعية والتعيينات الرفيعة لمدّة 90 يوماً بموجب القانون. لذلك، يحاول الهروب نحو تصدير الأزمات الأمنية، مستخدماً "النمط المعهود" تجاه إيران ولبنان وغزة، كذريعة لتأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى.
وفي ملف ملاحقته القضائية، يستثمر نتنياهو المحاكمات شعبياً للظهور بمظهر "الضحية" المستهدفة من قِبل "الدولة العميقة"، لشد عصب جمهوره وإرباك خصومه.
ويخلص مخول إلى أن صعود بدلاء مثل بينيت أو آيزنكوت قد يغير المعادلة، فبينيت قادر على اقتطاع أجزاء من جمهور اليمين كونه يتبنى مواقف أكثر راديكالية، ما قد يطيح نتنياهو بعيداً عن السلطة.
أما في حال الذهاب إلى خيار حل الكنيست، فإن الأمر يتطلب أسابيع لتمرير مسارات تشريعية يسعى اليمين عبرها لتثبيت حكمه وتمرير قوانين إقصائية تستهدف نزع الشرعية عن التمثيل السياسي العربي وشطب أحزابهم، في ظل غياب الكوابح المؤسساتية.
ويختم مخول بأن إنهاء ولاية هذه الحكومة يمثل مصلحة لفرملة التصعيد الإقليمي، فرغم أن أي حكومة بديلة لن تكون "حكومة سلام"، إلا أنها ستكون بالتأكيد أكثر عقلانية وأقل رغبة في دفع المنطقة نحو مواجهة شاملة.
/WhatsApp%20Image%202026-05-18%20at%208.17.28%20AM%20(1).jpeg)
تحالفات هشة... وتحالف عضوي مع ترامب
في المقابل، يرى الخبير والباحث الفلسطيني المتخصص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، أنه لا ضمانات مسبقة لبقاء التحالفات الحزبية بعد الانتخابات، إذ يظل المحدد الوحيد هو عدد المقاعد ومدى قدرة "الليكود" على إقناع القوى الأخرى بالتحالف معه.
ويوضح شديد لـ"النهار" أن حزبي "العظمة اليهودية" (بن غفير) و"الصهيونية الدينية" (سموتريتش) هما الأكثر ترجيحاً للتحالف مع نتنياهو للالتقاء الأيديولوجي بينهما.
أما موقف أحزاب "الحريديم" فلا يمكن ضمانه، فعبر التاريخ كانت هذه الأحزاب براغماتية تتحالف مع أي حزب يشكل الحكومة (سواء بيغن أو بيريز ورابين). ورغم تحول "الحريديم" في السنوات الأخيرة نحو الهوية اليمينية سياسياً، إلا أن خياراتهم تظل مفتوحة، ما يفسر اضطراب نتنياهو خشية فشله في إعادة إنتاج ائتلافه الحاكم.
وعن الرأي العام، يؤكد شديد أن الشارع الإسرائيلي لا يجد غضاضة في الانتخابات لأن موعدها حان فعلياً، فضلاً عن تصاعد الضغوط الشعبية باتجاه التغيير بعد هزات الأعوام الثلاثة الماضية.
هل يدفع نتنياهو إسرائيل إلى "الاستعصاء السياسي"
يشير شديد إلى أن موقف إدارة ترامب يختلف جذرياً عن الإدارات السابقة، إذ تبدو واشنطن معنية تماماً ببقاء نتنياهو واليمين في السلطة، وتقدم دعماً مطلقاً لمتطلباته، مدفوعة بما يشبه "التحالف العضوي" والتقاطع الأيديولوجي بين اليمين الفاشي في إسرائيل واليمين المتطرف في الولايات المتحدة.
ويخلص إلى أن سيناريو عجز نتنياهو عن تشكيل الحكومة القادمة يظل خياراً وارداً بشدة، لكن أيضاً، يعتبر نتنياهو لاعباً سياسياً متمرساً وقوياً، وبإمكانه استخدام أوراقه لتعطيل خصومه ومنعهم من تشكيل ائتلاف بديل.
ويحذر شديد من أن هذا الانسداد قد يدفع إسرائيل مجدداً إلى مربع "الاستعصاء السياسي" الذي عانته قبل أربعة أعوام، حين جرّ نتنياهو المنظومة إلى جولات انتخابية متتالية لضمان عدم صعود معارضيه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
نبض