من غزة إلى جنوب لبنان وسوريا… هل دخلت "إسرائيل الكبرى" مرحلة التّنفيذ؟
لم تعد دعوات التوسع الإسرائيلي تقتصر على خطابات هامشية داخل اليمين المتطرف، بل باتت تظهر بصورة أكثر وضوحاً في مواقف شخصيات مركزية داخل الحكومة الإسرائيلية، بالتوازي مع الحرب الإقليمية المستمرة والتحولات التي تشهدها المنطقة. وبين التوسع العسكري وشراء الأراضي والتحركات الاستيطانية الصامتة، يعود مشروع "إسرائيل الكبرى" إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة من بوابة غزة ولبنان وسوريا، وسط مخاوف متزايدة من فرض وقائع دائمة على الأرض تتجاوز الحسابات العسكرية الآنية نحو إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة.

العقيدة الأمنية المتجددة
خلال افتتاح مستوطنة "صانور - ترسلة" جنوب جنين شمال الضفة الغربية، كشف عراب الاستيطان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، عن توجهات رسمية للحكومة والائتلاف اليميني الحاكم لإعادة رسم الجغرافيا في الأراضي المحتلة عبر "توسيع حدودها في غزة ولبنان وسوريا".
وشدد على أهمية أن تُترجم "الإنجازات العسكرية" إلى مكاسب سياسية وإقليمية دائمة على الأرض لتعزيز الأمن القومي الإسرائيلي، فالخطة السياسية تتضمن توسيع الحدود في قطاع غزة، بالإضافة إلى التوسع في الأراضي اللبنانية حتى نهر الليطاني، بهدف إنشاء "حدود قابلة للدفاع". كما تشمل الطموحات التوسعية الساحة السورية، وصولاً إلى قمة جبل الشيخ والمنطقة الأمنية المحيطة به.
تعكس تصريحات سموتريتش، بوضوح، رؤية اليمين الحاكم، تثبيتاً لعقيدة "الصهيونية الدينية" وترسيخاً لعقيدة زئيف جابوتنسكي الاستيطانية التي وضعها عام 1923، والمعروفة بـ"الجدار الحديدي"، والتي تُعد أساساً للفكر اليميني الصهيوني المتطرف. وتقوم هذه العقيدة على حتمية بناء الاستيطان الصهيوني بقوة عسكرية مطلقة خلف "جدار" يمنع العرب من إحباطه، حتى يصلوا إلى مرحلة اليأس من المقاومة وقبول وجود الدولة اليهودية.
وينسجم ذلك مع سياسة "الخط الأصفر" التي تعمل إسرائيل على ترسيخها في غزة وجنوب لبنان وسوريا، عبر فرض أحزمة أمنية ومناطق نفوذ ميدانية تتحول تدريجياً إلى حدود أمر واقع تحت عنوان الأمن والدفاع.

توسّع صامت يتجاوز العمل العسكري
وفي تطور لافت، كُشف النقاب عن قيام إسرائيليين مزدوجي الجنسية بشراء أراضٍ في جنوب سوريا، وفق تقرير نشرته صحيفة "ذا كرادل". وبحسب التقرير، يقوم إسرائيليون يحملون جنسيات كندية وبريطانية وأسترالية بالاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جنوب سوريا، خصوصاً في منطقة حوض اليرموك المحاذية لهضبة الجولان، عبر أفراد يرتبطون بجهات ومنظمات يهودية.
وشمل النشاط شراء أكثر من 200 كيلومتر مربع من الأراضي، ما يشير إلى نمط جديد من التوسع يعتمد على أدوات "التمكين المدني" عبر التملك والاستثمار الطويل الأمد، بهدف توسيع نطاق السيطرة بمشاركة منظمات مثل "رواد باشان".
ويهدف الاستحواذ على هذه الأراضي إلى خلق استراتيجية تضمن السيطرة على الجنوب السوري، واستكمال العمليات العسكرية عبر بناء مستوطنات في مناطق تُعد من الأغنى مائياً، ما يعكس أهمية استراتيجية تتجاوز الزراعة نحو التحكم بالموارد الحيوية. ويأتي ذلك في سياق يبدو منسقاً لا عشوائياً، خصوصاً مع رصد تحركات موازية شملت زيارة وفود إسرائيلية لمواقع أثرية وشراء مواقع عسكرية سورية سابقة عبر وسطاء.
ووسط غياب أي رادع فعلي للتوغلات الإسرائيلية المتكررة، يبدو أن ما يجري يعكس تحولاً في أدوات النفوذ، من الاحتلال المباشر إلى "التمدد الصامت" عبر سوق العقارات، وهو نموذج قد يكون أكثر استدامة وأقل كلفة سياسياً، لكنه يحمل تداعيات عميقة على مستقبل الجغرافيا والسيادة الوطنية في المنطقة.
ولا يختلف الوضع كثيراً في جنوب لبنان، إذ تبدو أعين المنظمات الاستيطانية الإسرائيلية مفتوحة وجاهزة لاقتناص الفرصة المناسبة وسط الانشغال بالحرب الإقليمية. ووفقاً لمنظمة "عوري هاتسافون"، التي تدعو إلى إحياء ذكرى الجندي يسرائيل سوكول الذي خدم في كتيبة "شاكيد" التابعة للواء "جفعاتي" وقُتل خلال حرب غزة عام 2024، فإن حلمه كان يتمثل في الاستيطان في جنوب لبنان.
وتعتبر الحركة جنوب لبنان جزءاً من "أرض إسرائيل التاريخية"، وتروّج لرواية تاريخية تتحدث عن وجود تسع مستوطنات يهودية على الأقل في المنطقة خلال فترة الهيكل الثاني. وبحسب الحركة، فإن الأبحاث التاريخية والجغرافية حددت مواقع هذه المستوطنات في مناطق تُعرف اليوم بنشاط "حزب الله"، وتقول إنها "كانت في يوم من الأيام تعجّ بالمستوطنات اليهودية المزدهرة".

فرض أمر واقع قبل أي تغيير سياسي
تتسارع وتيرة إقامة البؤر الاستيطانية والمستوطنات، ويبدو أن النموذج العملي لذلك هو ما يجري في الضفة الغربية. فبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يسعى قادة المستوطنين والقيادة السياسية إلى تنفيذ قرارات "الكابينيت" قبل أي تغيير محتمل في حكومة بنيامين نتنياهو، خوفاً من أن تقوم حكومة جديدة بتجميد هذه المشاريع وعدم تنفيذ القرارات الحالية.
ويستند المستوطنون دائماً إلى فكرة أن "الأمن يتحقق فقط عبر السيطرة على الأرض". وخلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، صادق "الكابينيت" خلال جلسة سرية على إقامة 34 مستوطنة إضافية في الضفة الغربية وسط تعتيم شديد، خشية ضغوط أميركية قد تعرقل مشروع التوسع الاستيطاني، فيما يعمل سموتريتش ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالتنسيق مع قادة المستوطنات لتحويل الصيف المقبل إلى "استعراض قوة استيطاني".
مشروع "إسرائيل الكبرى"
يتزايد، مع كل حرب تدخلها إسرائيل، اندفاع كثير من المسؤولين الإسرائيليين لتحقيق ما يعتبرونه "أحلاماً مؤجلة". وفي مقابلة قديمة مع سموتريتش، سألته إحدى المذيعات إن كانت "حدود إسرائيل تمتد من البحر إلى نهر الأردن"، فأجاب: "نعم، شيئاً فشيئاً". وأضاف: "مكتوب في كتب الحكماء أن مستقبل القدس هو أن تمتد حتى دمشق، وباختصار لدينا الكثير لنطمح إليه".
وفي ضوء ذلك، يرى الخبير المختص بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت، في حديثه مع "النهار"، أن مشروع "أرض إسرائيل الكبرى" لم يسقط من جدول الأعمال الإسرائيلي في ظل الحكومات اليمينية المتعاقبة منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وصولاً إلى حكومة "اليمين الكامل" الحالية، لكن تطبيقه على مراحل ظل مرهوناً بالظروف السياسية المحيطة، وخصوصاً الظروف الإقليمية.
ويضيف أن "مبرر الاستيطان بات أمنياً بالدرجة الأولى، ويعكس في الوقت نفسه عقيدة أمنية تبدو آخذة بالترسخ بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومفادها أن على إسرائيل السيطرة على مساحات جغرافية في عمق الدول المجاورة، سواء في قطاع غزة أو لبنان أو سوريا".
ويوضح شلحت أن هذه المقاربة تمتزج برؤية "أرض إسرائيل الكاملة" في ظل تعاظم نفوذ القوى السياسية التي تتبنى هذا التوجه وتسعى إلى الدفع به قدماً. وبطبيعة الحال، هناك كثير من الاستنتاجات الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل العلاقة مع الإقليم والقضية الفلسطينية، ولعل أبرزها أن السلام لم يعد مطروحاً في الأفق، وأن إسرائيل لا ترى بديلاً من الاعتماد على قوتها والسيطرة على مزيد من الأراضي.
ويلفت الخبير بالشأن الإسرائيلي إلى أن عقيدة "الصهيونية الدينية" المرتبطة بتوسيع السيطرة على الأراضي والدفع نحو رؤية "إسرائيل الكبرى" لم تعد محصورة بالتيارات المتطرفة، بل بدأت تمتد إلى أحزاب يمينية أخرى، بينها حزب "الليكود" الحاكم.
ويخلص شلحت إلى أن ما قامت به إسرائيل خلال الحرب على قطاع غزة يُعد تطبيقاً عملياً لمبادئ "خطة الحسم" التي طرحها سموتريتش قبل نحو عقد من الزمن، ما يعني أن "عقيدة القوى المسيانية أصبحت أكثر انتشاراً داخل الحلبة السياسية الحزبية الإسرائيلية، في مؤشر واضح إلى طبيعة التوجهات التي قد تحكم السياسة الإسرائيلية في المرحلة الحالية والمستقبلية".
نبض