ترامب يتحدث عن الدواء وفانس يخاطب رضائي... ماذا تخفي الرسالة الأميركية إلى إيران؟
لو كانت مهمة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تقتصر على تأمين الأدوية لـإيران، لكان اختيار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي لتلقي رسالته أمراً يصعب تفسيره. فالرجل الذي تولى سابقاً قيادة الحرس الثوري بات، في تقدير واشنطن، أحد أبرز مراكز القرار في طهران، وصاحب قدرة على تأمين توافق داخل القيادة الإيرانية حول أي اتفاق محتمل. ومن هنا تكتسب الرسالة أبعاداً تتجاوز التفسير الإنساني الذي قدّمه الرئيس دونالد ترامب، وتفتح باباً لقراءة الحسابات الأميركية في مرحلة تتزايد فيها احتمالات استئناف العمليات العسكرية.
الأربعاء الماضي، نفى ترامب أن يكون كلّف فانس بإحياء مفاوضات السلام، موضحاً أن التواصل يتعلق بحاجة الإيرانيين إلى مستلزمات طبية. لكن مصادر أميركية نقلت عنها "أكسيوس" و"واشنطن بوست" تحدثت عن دعوة إلى استئناف المفاوضات، شرط تناول البرنامج النووي الإيراني، مع استعداد فانس للقاء رضائي شخصياً.
ويتيح هذا التباين لواشنطن التحرك ديبلوماسياً من دون إعلان تراجع عن شروطها النووية، مع إبقاء التهديد العسكري قائماً، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.
لماذا رضائي؟
نقل الكاتب ديفيد إغناتيوس في "واشنطن بوست"، عن مسؤول أميركي مطلع، أن إدارة ترامب تعتبر رضائي قادراً على بناء توافق إيراني حيال اتفاق يفرض قيوداً على البرنامج النووي، مستفيداً من علاقته بالمرشد مجتبى خامنئي ونفوذه داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية.
وبحسب الرواية الأميركية، عرض فانس تصوراً يربط منع إيران من امتلاك سلاح نووي بإعادة بناء اقتصادها والحفاظ على سيادتها.
ويعكس اختيار رضائي محاولة أميركية لمعالجة إحدى مشكلات المفاوضات السابقة، المتعلقة بقدرة المحاور الإيراني على انتزاع موافقة مراكز القوى على أي تسوية. فواشنطن سبق أن تفاوضت مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وخرجت تلك الاتصالات بتفاهم محدود سرعان ما انهار مع تجدد المواجهات.
غير أن نفوذ رضائي داخل المنظومة الأمنية لا يعني بالضرورة استعداده لتقديم التنازلات النووية المطلوبة.

دواء محاصر
تزداد أهمية التفسير الإنساني لترامب عند النظر إلى واقع سوق الأدوية الإيرانية. فقد تحدثت جمعية الصيادلة في أيلول/سبتمبر الماضي عن نقص نحو 800 مستحضر دوائي، بينها 90 دواءً أساسياً ومنقذاً للحياة، وسط اضطراب سلاسل التوريد وتدهور العملة.
والمفارقة أن التشريعات الأميركية تستثني أصلاً الأدوية والمستلزمات الطبية من قطاعات واسعة من العقوبات، وسبق لوزارة الخزانة أن أطلقت قناة إنسانية عبر سويسرا لتسهيل المدفوعات المرتبطة بها.
لكن المصارف تتردد في تنفيذ التحويلات خشية العقوبات، وشركات التأمين تواجه مخاطر متزايدة، فيما يضيف الحصار البحري تعقيدات تتعلق بوصول الشحنات. وهكذا، يصبح السماح القانوني بشراء الدواء محدود الجدوى عندما تتعطل وسائل دفع ثمنه ونقله.
ويمكن لواشنطن، إذا أرادت تحويل طرح ترامب إلى مبادرة فعلية، إصدار ضمانات للمصارف وشركات التأمين، وإنشاء قناة مالية خاضعة للرقابة، وتسهيل مرور الشحنات الطبية.
وسبق للقيادة المركزية الأميركية أن أعلنت السماح بمرور أكثر من 50 سفينة تحمل مساعدات إنسانية خلال المرحلة الأولى من الحصار بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو الماضيين، ما يؤكد إمكان تطبيق ترتيبات استثنائية.
عقدة التنازلات
تكمن الصعوبة في ترتيب الخطوات. فواشنطن تريد مفاوضات نووية تسبق أي تخفيف واسع للعقوبات، بينما تتمسك طهران برفع الحصار والإفراج عن الأموال المجمدة وإنهاء الأعمال العسكرية قبل العودة إلى الطاولة.
وقد يعالج الملف الطبي جزءاً من هذه المعضلة، إذ تستطيع واشنطن تقديم تسهيلات محدودة من دون المساس بالعقوبات النفطية، فيما تستفيد طهران منها من دون تقديم تنازل نووي فوري.
لكن الحسابات الإيرانية أكثر تعقيداً. فقبول مساعدات إنسانية في ظل استمرار الحصار قد يُفسَّر داخلياً باعتباره قبولاً بتخفيف تداعيات الضغط الأميركي من دون معالجة أسبابه. وتزداد الحساسية إذا ربطت واشنطن التسهيلات بمطالب سياسية أو نووية.
وثمة اختلال جوهري في طبيعة التنازلات المحتملة. فالضمانات المصرفية والاستثناءات البحرية إجراءات تستطيع الإدارة الأميركية إلغاءها سريعاً، بينما تطالب إيران بالتزامات نووية وأمنية قد تترتب عليها كلفة استراتيجية طويلة الأمد. وهذه الفجوة تجعل أي تفاهم محدود عرضة للانهيار ما لم يتضمن آلية تنفيذ وضمانات متبادلة.
ويحمل التوقيت بدوره دلالة. فترامب يحتفظ بخيار التصعيد، وفانس يستكشف فرص التسوية، فيما تتمسك طهران بشروطها. وقد يخدم تقديم الرسالة تحت عنوان إنساني هدفاً أميركياً إضافياً، يتمثل في تحميل القيادة الإيرانية مسؤولية رفض مبادرة تُعرض باعتبارها مساعدة للمدنيين.
أما الاختبار الفعلي لجدية واشنطن، فيكمن في استعدادها لإزالة العوائق المصرفية والبحرية التي تحول دون وصول الأدوية، وهي إجراءات تملك التأثير المباشر فيها.
فإذا بقي العرض محصوراً بالتصريحات، ستظل رسالة فانس جزءاً من المساومة النووية تحت التهديد العسكري. أما إذا تحركت القنوات المالية والممرات البحرية، فقد يجد الطرفان مدخلاً محدوداً لتجاوز خلافهما حول مَن يقدم التنازل الأول.
نبض