جداريات طهران في زمن الحرب... الفن في خدمة السياسة
تتبدل جداريات طهران مع تطورات الحرب. عملٌ يُركّب في ساحة، فتلتقطه الكاميرات وينتقل إلى الشاشات، ثم يُنزع ليحل محله عمل آخر. في هذا الإيقاع السريع، لا تؤدي الواجهة دور مساحة عرض فنية فحسب، بل تصبح وسيلة لتقديم رواية بصرية عمّا يجري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
والتسمية هنا مهمة. فمعظم الأعمال الضخمة المعروضة في الساحات لوحات تُصمَّم وتُطبع ثم تُركَّب، وليست غرافيتي مرسوماً مباشرة على الجدران. ولكل من الشكلين شروطه: من يختار الموضوع، ومن يوافق على عرضه، ومن يستطيع إبقاءه في مكانه.
الحرب في مشهد واحد
على إحدى اللوحات، تظهر حاملة طائرات أميركية تحمل نعوشاً. وفي أخرى، تقع معدات عسكرية في شبكة صياد إيراني. أما دونالد ترامب، فيبدو فمه محجوباً بتكوين يستحضر مضيق هرمز. تستغني هذه الأعمال عن شرح طويل، فهي تختار من الحرب عناصر قليلة، وتعيد ترتيبها في مشاهد يستطيع المارّ التقاط معناها خلال ثوانٍ.

في لوحة الصياد، ينتقل التفوق من الآلة العسكرية إلى الرجل الذي يمسك بالشبكة. وفي لوحة ترامب، يغدو المضيق البحري أداة لكبح صوت الرئيس الأميركي. تتيح الاستعارتان للصورة أن تعرض حسماً بصرياً في وقت لا تزال فيه نتائج الحرب وشروط إنهائها موضع نزاع. فالمحادثات بشأن وقف القتال والملاحة في مضيق هرمز لم تُفضِ بعد إلى تسوية.

ليست وظيفة هذه اللوحات تسجيل الوقائع كما تسجلها الكاميرا. إنها تنتقي جانباً منها وتمنحه وزناً أكبر، ثم تدعو المشاهد إلى قراءة الحدث من خلاله. وهنا تكمن قوتها الدعائية: أن تبدو الحكاية مكتملة داخل إطار اللوحة، ولو ظلّت مفتوحة خارجه.
ما لا يظهر خلف اللوحة
في ساحة "ولي العصر"، تبلغ مساحة العرض نحو 18.5 متراً ارتفاعاً و47.5 متراً عرضاً. تعاقبت عليها عشرات التصاميم منذ بدء استخدامها المنتظم مطلع عام 2013. وما يراه المارّ عملاً واحداً يخفي وراءه مراحل من اختيار الفكرة وإعداد التصميم ومراجعته وطباعته وتركيبه.

لهذه اللوحات مصممون، لكن العمل ضمن مساحة رسمية يحدد ما يمكن إظهاره وكيفية إظهاره. ذلك لا يلغي مهارتهم الفنية، بل يجعل قراراتهم البصرية جزءاً من رسالة أوسع. فحجم وجه القائد، وموضع السفينة، واتجاه العلم، والمسافة التي تفصل الشخصيات بعضها عن بعض، كلها تفاصيل تؤثر في قراءة العمل قبل أن ينتبه المشاهد إلى عباراته المكتوبة.

وحين يُرفع وجه قائد قُتل في الحرب فوق مستوى المارة، يعود إلى الحياة العامة بصورة مختلفة. لا تخبر اللوحة الناس بوفاته فقط، إنها تختار له هيئة ومكاناً في المدينة، وتصل حضوره بحكاية تريد لها الاستمرار.
بين الحداد وإظهار القوة
تجمع بعض الأعمال رموز الخسارة والردّ في تكوين واحد. ففي لوحة يظهر شعار العلم الإيراني، الشبيه بزهرة التوليب، وفي قلبه صاروخ. تضع الصورة إشارة التضحية بجوار السلاح، فتفتح مجالاً لقراءتها بوصفها تعبيراً عن الحداد أو الصمود أو القوة.

وتستعين أعمال أخرى بالتاريخ الوطني. في لوحة عن مضيق هرمز، يقف القائد السابق للقوة البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري ورئيس علي دلواري المرتبط بمقاومة القوات البريطانية قبل أكثر من قرن، على جانبي ممر مائي. يجمع التصميم شخصيتين من زمنين مختلفين ليقدّم المضيق مكاناً تتوارث الأجيال حراسته.

تُظهر هذه الأمثلة أن لغة اللوحات لا تقتصر على السلاح أو الشعار السياسي. إنها تستدعي النبات والراية والشخصية التاريخية، وتضعها جميعاً في خدمة رواية الحرب الراهنة. بذلك يصبح الفن وسيلة لوصل حدث اليوم بذاكرة أقدم منه.
حياة ثانية على الشاشات
لا ينتهي أثر اللوحة عند حدود الساحة. يراها المارّ ضمن حركة المدينة، ثم تُنشر صورتها في الأخبار وعلى المنصات الاجتماعية حيث يتلقاها جمهور بعيد عن طهران. ويمكن إنزال العمل من الواجهة من دون أن تختفي الصور التي التُقطت له.

لكن التصوير يغيّر التجربة أيضاً. ففي اللقطة المنشورة قد يغيب الشارع والمارّة والمبنى، وتبقى الرسالة السياسية وحدها في الإطار. كما أن انتشار الصورة لا يخبرنا إن كان من رآها في طهران قد وافق عليها، أو انتقدها، أو مرّ أمامها من غير اكتراث. تستطيع الجهة المنتجة اختيار ما تعرضه، لكنها لا تستطيع أن تفرض على كل مشاهد معنى واحداً له.
جدران خارج المساحات الرسمية
بعيداً من الواجهات الكبرى، يظهر في طهران غرافيتي يصنعه أفراد على جدران أخرى. وخلال الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022، رُسمت صورتها وكُتبت عبارة "امرأة، حياة، حرية" في شوارع المدينة. مُحيت بعض الأعمال، فيما بقيت صورها متداولة على الإنترنت. وروى فنانون عملوا بأسماء مستعارة كيف كانوا يرسمون ليلاً وهم يتوقعون زوال ما أنجزوه سريعاً.

تختلف ظروف هذا الغرافيتي عن ظروف اللوحات الرسمية في كل شيء تقريباً: مساحة العمل، ووقت تنفيذه، وقدرة صاحبه على حمايته، والمخاطر التي يواجهها. ومع ذلك، يلتقي الشكلان عند رغبة واحدة في أن يُرى ما يقولانه.
لهذا لا تروي جدران طهران حكاية واحدة عن إيران. ففي الساحات، تعرض اللوحات المطبوعة رواية رسمية للحرب، وعلى جدران أقل ظهوراً، يحاول أفراد تسجيل ما يختبرونه هم. وبين عمل يُركّب على واجهة بارزة وآخر قد يُمحى بعد ساعات، يتضح أن السؤال الثقافي يتجاوز مضمون الصورة إلى حق عرضها في المدينة.
نبض