إيران تتمسك بشروطها ولا تمديد لوقف النار... وهرمز يخنق النفط
تزداد صورة الحرب مع إيران تعقيداً على وقع مسارين متوازيين: جمود سياسي بين طهران وواشنطن رغم توقف الضربات في الأيام الأخيرة، وتصاعد الضغوط الاقتصادية على إيران والأسواق العالمية بفعل العقوبات والحصار واستمرار إغلاق مضيق هرمز. وفي أحدث المواقف، أكد مصدر إيراني كبير أنه لم تجرِ أي مناقشات مع الولايات المتحدة بشأن تمديد وقف إطلاق النار، موضحاً أن طهران لا ترى أساساً للحديث عن "تمديد"، لأن الاتفاق، من وجهة نظرها، لم يكن له تاريخ بدء محدد.
ويأتي الموقف الإيراني في وقت تحاول باكستان إعادة تحريك المسار الدبلوماسي. فقد زار وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي طهران والتقى الرئيس مسعود بزشكيان، حاملاً رسالة من رئيس الوزراء الباكستاني وقائد الجيش، فيما قالت إسلام آباد إن محادثاته تتناول الأمن والاستقرار الإقليميين والانخراط البنّاء بين الأطراف. وكانت الوساطة الباكستانية قد أفضت في منتصف حزيران إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 شباط، قبل أن يستأنف الطرفان الأعمال الحربية مطلع تموز. ورغم هدوء الضربات أخيراً، لم يتحقق حتى الآن اختراق يقود إلى اتفاق نهائي.
عقدة مضيق هرمز
وتبقى عقدة مضيق هرمز في قلب المواجهة. فإيران تتمسك بإبقائه مغلقاً ما لم تغيّر الولايات المتحدة سلوكها وتقبل شروط طهران لإنهاء الحرب. ورفع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي سقف المطالب، رابطاً فتح المضيق بإنهاء الحرب والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى إنهاء الحروب في المنطقة، بما فيها لبنان وغزة. وفي المقابل، ترفض واشنطن أي تحكم إيراني بالممر الاستراتيجي الذي يعبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

هرمز يضغط على العالم
وبات إغلاق المضيق يتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية ليترك أثراً مباشراً في الاقتصاد العالمي. فقد خفضت وكالة الطاقة الدولية بصورة حادة توقعاتها للطلب العالمي على النفط في 2026، وباتت تتوقع انخفاضاً سنوياً بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بتقدير سابق في تموز بتراجع قدره مليون برميل يومياً. وأرجعت ذلك إلى استمرار إغلاق هرمز وارتفاع أسعار الوقود، اللذين يضغطان على الاستهلاك.
ولا يزال مرور السفن عبر المضيق محدوداً رغم الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق لإعادة فتحه، ما يبقي أسعار النفط والأسواق العالمية عرضة لتقلبات حادة. ووفق وكالة الطاقة الدولية، ارتفعت الإمدادات العالمية في تموز بمقدار 2.4 مليون برميل يومياً إلى 101.5 مليون برميل، لكنها بقيت أقل بـ6.3 ملايين برميل يومياً مقارنة بالعام الماضي، فيما توقعت الوكالة انخفاض المعروض العالمي بمعدل 4.3 ملايين برميل يومياً في المتوسط خلال العام الحالي.

وفي مؤشر إلى استمرار التوتر البحري، أعلن الجيش الأميركي أنه أطلق النار على سفينة ترفع علم بنما كانت تحاول الاقتراب من ميناء إيراني بعدما قال إن طاقمها تجاهل التحذيرات الأميركية وخرق الحصار. ويتزامن ذلك مع امتداد الاضطرابات إلى باب المندب، حيث أدى هجوم على سفينة الشحن "تهامة"، نسبته الحكومة اليمنية إلى الحوثيين، إلى مقتل ستة أشخاص على الأقل.
إيران تحت وطأة "اقتصاد البقاء"
وفي الداخل الإيراني، تتزايد تداعيات العقوبات والحصار البحري. وتشير المعطيات الواردة في تقارير اقتصادية إلى تراجع العملة وارتفاع حاد في الأسعار، فيما لجأت الحكومة إلى تقنين الوقود والكهرباء، وتقييد الحصول على العملات الأجنبية، وطباعة الأموال لتغطية الرواتب وخفض الاستثمارات، بالتوازي مع حماية استيراد السلع الأساسية والمؤسسات الحيوية للدولة.
كما خصصت طهران ما يصل إلى 3.5 مليارات دولار لدعم سعر الصرف المستخدم لاستيراد سلع أساسية، بينها القمح والأدوية وحليب الأطفال. وفي المقابل، تتكيف الأسر مع الأزمة عبر خفض الإنفاق على الغذاء والوقود والدواء، وسط تحذيرات من انتقال إيران تدريجياً من اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات إلى ما يوصف بـ"اقتصاد البقاء"، الذي يسمح باستمرار عمل الدولة لكنه يفاقم تراجع مستويات المعيشة والإنتاجية.
وتظهر الأرقام حجم الضغط على أهم مصادر إيرادات طهران، إذ تراجعت صادرات النفط الإيرانية إلى ما يقارب الصفر في تموز بعد تجدد الحصار البحري، بعدما بلغت إيراداتها نحو 4.5 مليارات دولار في حزيران، وفق بيانات أوردها التقرير. كما انخفض النفط الإيراني المخزن في البحر من نحو 180 مليون برميل مطلع تموز إلى نحو 60 مليوناً، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة هذا العام.
نبض