الوساطة بين إيران وإسرائيل... لماذا تصطدم بالمحرّمات؟

ايران 29-06-2026 | 06:40

الوساطة بين إيران وإسرائيل... لماذا تصطدم بالمحرّمات؟

طرح الديبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان فكرة تُعد من أكثر الطروحات حساسية في الداخل الإيراني، داعياً إلى وساطة أميركية تنهي التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل باعتبارها مدخلاً إلى اتفاق شامل ومستدام بين طهران وواشنطن.
الوساطة بين إيران وإسرائيل... لماذا تصطدم بالمحرّمات؟
سيدتان إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران، 3 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في وقت تتواصل فيه المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة وسط تصاعد الانتقادات الداخلية الموجهة إلى الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طرح الديبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان فكرة تُعدّ من أكثر الطروحات حساسية في الداخل الإيراني، داعياً إلى وساطة أميركية تنهي التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل باعتبارها مدخلاً إلى اتفاق شامل ومستدام بين طهران وواشنطن.

يشغل موسويان، المقيم في الولايات المتحدة والباحث في جامعة برنستون، موقعاً خاصاً في المشهد السياسي الإيراني، إذ سبق له أن تولى منصب نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وكان عضواً في فريق المفاوضات النووية. وتعرّض قبل سنوات للاعتقال بتهمة التجسس، وأثارت التحقيقات معه في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد جدلاً واسعاً، قبل أن يغادر إيران ويستقرّ في الولايات المتحدة.

 

وفي مقابلة مع قناة "يورونيوز"، رأى موسويان أن أيّ تفاهم طويل الأمد بين إيران وأميركا "لن يكون قابلاً للحياة ما لم يترافق مع إنهاء التهديدات الأمنية والعسكرية والوجودية المتبادلة بين إيران وإسرائيل".

 

الديبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان. (أرشيف)
الديبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان. (أرشيف)

 

اقتراح يتجاوز الخطوط الحمراء

حتى الآن، لم يثر اقتراح موسويان نقاشاً واسعاً داخل إيران؛ وربما يعود ذلك إلى حساسية أي حديث يتعلق بإسرائيل في الجمهورية الإسلامية، حيث يُعدّ أي اقتراح كهذا من المحرمات السياسية. ففي الخطاب الرسمي، تمثل إسرائيل رمزاً للأعداء والاغتيالات والشرور، فيما قد تصل عقوبة أيّ تطبيع أو تواصل أو دعم لها إلى الإعدام، الأمر الذي يجعل مجرد طرح هذا الملف في الإعلام أو الفضاء السياسي الرسمي مخاطرة كبيرة.

في المقابل، يختلف النقاش داخل الأوساط الأكاديمية وغير الرسمية، وحتى في بعض المؤسسات الاستشارية القريبة من دوائر صنع القرار. فهناك من يرى أن استمرار شعار "ضرورة تدمير إسرائيل"، الذي رافق الجمهورية الإسلامية منذ بداياتها، يجعل من الصعب توقع تخلي إسرائيل عن عدائها لإيران، خصوصاً أن تل أبيب تعتبر الجمهورية الإسلامية أكبر تهديد وجودي لها، ونجحت عبر حملات إعلامية وسياسية واسعة في تكوين إجماع دولي ضدها.

من هذا المنطلق، يعتقد بعض الخبراء أن تحسين العلاقات بين طهران وواشنطن سيظلّ ناقصاً ما لم تُعالج العقدة الإسرائيلية، لأن تل أبيب ستواصل محاولة عرقلة أيّ تفاهم أميركي - إيراني لا يأخذ مصالحها الأمنية في الاعتبار.

وبرزت هذه الإشكالية مجدداً خلال الأسابيع الأخيرة، مع تباين المواقف الأميركية والإسرائيلية حيال جنوب لبنان، الأمر الذي جعل وقف إطلاق النار بين إيران وأميركا أكثر هشاشة، في ظل شعور إسرائيل بأنها غير ملزمة بالكامل بالسياسات الأميركية تجاه لبنان.

 

سوابق لمحاولات خفض التوتر

ومع ذلك، يعيد اقتراح موسويان طرح سؤالين أساسيين: هل يمكن أن يساهم تخفيف التوتر بين إيران وإسرائيل في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الشرق الأوسط؟ وهل أوجدت الحربان الأخيرتان أرضية تسمح بإعادة التفكير في هذا الاحتمال؟

للإجابة عن هذين السؤالين، لا بدّ من العودة إلى مسار العلاقات بين إيران وإسرائيل خلال العقود الماضية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تحولت العلاقة بين البلدين إلى عداء مفتوح، قبل أن تنتقل إلى مواجهة عسكرية مباشرة بعد عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر، واتهام إسرائيل لإيران بالعلم المسبق بالعملية ودعمها.

مع ذلك، لم تبق العلاقة العدائية على وتيرة واحدة طوال تلك السنوات. فقد شهدت مراحل مختلفة محاولات غير معلنة لخفض التوتر، جرت - في أغلب الأحيان - عبر وسطاء مثل سويسرا وسلطنة عُمان وقطر ودول أوروبية، وارتبطت بالملف النووي الإيراني ودور الجماعات الحليفة لطهران والأمن الإقليمي. لكن تلك المحاولات بقيت بعيدة عن الإعلام بسبب حساسية الملف داخل إيران، كما أنها لم تحقق نتائج ملموسة بفعل الخلافات الإيديولوجية العميقة بين الطرفين.

 

ولا تخلو العلاقات الإيرانية - الإسرائيلية، أيضاً، من سوابق شهدت تعاوناً غير معلن. ولعل أبرزها قضية ماكفارلين، أو فضيحة إيران - كونترا في ثمانينيات القرن الماضي، التي كشفت عن تعاون تكتيكي وسريّ بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

ففي ذلك الوقت، كانت العلاقات الرسمية مقطوعة بالكامل، وكان المرشد الأعلى روح الله الخميني قد وصف إسرائيل بـ"الغدة السرطانية" ودعا إلى القضاء عليها، وهو خطاب خضع لاحقاً لبعض التعديلات في عهد علي خامنئي، مع طرح فكرة إجراء استفتاء في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

رغم ذلك، جرت في قضية ماكفارلين صفقة سرية باعت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة لإيران خلال حربها مع العراق، مقابل المساعدة في تحرير رهائن أميركيين في لبنان كانوا محتجزين لدى "حزب الله". كما سعت إدارة الرئيس رونالد ريغان إلى استخدام عائدات الصفقة لتمويل قوات "الكونترا" المعارضة للحكومة الشيوعية في نيكاراغوا، في مخالفة للقانون الأميركي.

وتحولت العملية إلى واحدة من أكبر الفضائح السياسية في الولايات المتحدة بعد أن كشفتها مجلة "الشراع" اللبنانية في تشرين الثاني/نوفمبر 1986.

وأظهرت تلك القضية أن المصالح المشتركة قد تدفع الطرفين إلى تعاون محدود رغم العداء المعلن. فقد رأت إسرائيل في إيران آنذاك عامل توازن في مواجهة الدول العربية، بينما كانت طهران بحاجة ماسة إلى الأسلحة لمواصلة حربها مع العراق.

 

الرئيس الأميركي رونالد ريغان يعقد اجتماعاً في المكتب البيضوي مع وزير الدفاع كاسبر واينبرغر، ووزير الخارجية جورج شولتز، والمدعي العام إدوين ميس، ورئيس موظفي البيت الأبيض دونالد ريغان، لبحث قضية إيران - كونترا. (أ ف ب)
الرئيس الأميركي رونالد ريغان يعقد اجتماعاً في المكتب البيضوي مع وزير الدفاع كاسبر واينبرغر، ووزير الخارجية جورج شولتز، والمدعي العام إدوين ميس، ورئيس موظفي البيت الأبيض دونالد ريغان، لبحث قضية إيران - كونترا. (أ ف ب)

 

فرص ضائعة لتغيير المسار

 

مثال آخر يعود إلى عام 2003، عندما غزت الولايات المتحدة العراق في عهد الرئيس جورج بوش، في وقت كان احتمال توجيه ضربة إلى إيران مطروحاً بقوة. وقد أثار الانتصار الأميركي السريع في أفغانستان ثم العراق، بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، قلقاً متزايداً في طهران، وتحديداً بعد إدراجها ضمن "محور الشر" عام 2002.

في تلك المرحلة، قدمت إيران، عبر السفارة السويسرية، مبادرة إلى الولايات المتحدة تضمنت استعدادها لخفض التوتر مع إسرائيل، ووقف الدعم المادي للجماعات الفلسطينية المسلحة، والتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، خصوصاً تنظيم "القاعدة"، والمساهمة في تحقيق الاستقرار في العراق بعد الغزو.

في المقابل، طلبت طهران ضمانات أمنية، ورفع العقوبات، والحصول على التكنولوجيا النووية السلمية، إضافة إلى تعهد أميركي بعدم السعي إلى تغيير النظام.

لكن إدارة بوش رفضت هذه المبادرة، التي عُرفت لاحقاً باسم "الصفقة الكبرى"، لأسباب إيديولوجية، ولتمسّكها آنذاك بخيار تغيير النظام في إيران. ويُنظر إليها اليوم على نطاق واسع باعتبارها واحدة من أبرز الفرص الضائعة لإعادة بناء العلاقات والحدّ من التوترات الإقليمية.

يُشار أيضاً إلى فترة رئاسة محمد خاتمي بين عامي 1997 و2005 باعتبارها المرحلة الأكثر انفتاحاً في علاقة إيران بالغرب، إذ شهدت تراجعاً نسبياً في مستوى التوتر، بما في ذلك التهديدات المتبادلة مع إسرائيل.

أما خلال عهد الرئيس حسن روحاني، ومع توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ورغم أن إسرائيل لم تكن طرفاً في المفاوضات مع مجموعة 5+1، فإن تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع جزء من العقوبات كان يُنظر إليه كوسيلة لاحتواء المخاوف الإسرائيلية وخفض مستوى التوتر في المنطقة.

لكن إسرائيل لم تعتبر الاتفاق النووي حلاً للتهديد الإيراني. ووصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو آنذاك بأنه "خطأ تاريخي"، قبل أن تمارس حكومته ضغوطاً على واشنطن أسهمت في انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018.

وفي مذكرة التفاهم الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، عادت القضايا المرتبطة بإسرائيل إلى الواجهة، ولا سيما ملف وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، الذي تعرض لانتهاكات متكررة، ما أعاد وقف إطلاق النار إلى حافة الانهيار.

 

لماذا تتعثر الوساطة؟

 

تدفع هذه المحطات التاريخية إلى سؤال يتكرر مع كل مبادرة جديدة، وهو لماذا فشلت جميع محاولات تخفيف التوتر بين إيران وإسرائيل في تحقيق اختراق حقيقي؟

تكمن الإجابة، إلى حد كبير في طبيعة الصراع نفسه. فإيران تعتبر إسرائيل كياناً "غير شرعي"، بينما تنظر إسرائيل إلى الجمهورية الإسلامية باعتبارها تهديداً وجودياً. وتتمحور الخلافات بينهما حيال البرنامج النووي الإيراني، ودعم طهران لـ"حزب الله" و"حماس" و"أنصار الله" في اليمن و"الحشد الشعبي" في العراق، إضافة إلى الصراع على النفوذ الإقليمي.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو أي وساطة محكومة بعقبات سياسية وإيديولوجية عميقة، حتى لو توافرت الإرادة الدولية لرعايتها.

مع ذلك، يرى موسويان أن استبعاد فكرة تدمير أو إسقاط النظام السياسي والعسكري للطرف الآخر، ووضع الخلافات على طاولة التفاوض بوساطة أميركية، قد يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، وتمهد لاتفاقات أخرى يصعب تصورها في ظل استمرار منطق المواجهة.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟