حراك ديبلوماسي واستنفار عسكري في إيران... سباق بين الوساطات وعودة الحرب
رفعت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة منسوب القلق في طهران، وسط تصاعد التقديرات بإمكان عودة الحرب الأميركية – الإسرائيلية خلال الأيام المقبلة، بالتزامن مع استنفار عسكري واسع داخل إيران وحراك ديبلوماسي متسارع لمحاولة احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.
تهديدات ترامب ترفع التأهب في طهران
فبعد الرسائل المتتالية التي وجّهها ترامب في الأيام الأخيرة، والتي أكد فيها أن المقترحات الإيرانية غير مُرضية، نشر مساء الأحد على حسابه في "تروث سوشال" صورة تُظهر القوات الأميركية وهي تشن هجوماً على إيران من مختلف الدول المحيطة بها، قبل أن يهدد بأن إيران "ستُدمَّر بالكامل" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وعززت هذه المواقف التقديرات بإمكان استئناف الحرب الأميركية – الإسرائيلية خلال الأيام المقبلة. وقد أُخذ هذا التهديد على محمل بالغ الجدية في إيران، إلى حد أن القوات المسلحة وُضعت في حالة تأهب بنسبة 100 في المئة، كما أعلن التلفزيون الرسمي "بدء تدريب المواطنين عسكرياً استعداداً لمواجهة أي عدوان محتمل". وتشير تقارير إلى أن كبار المسؤولين أصدروا تعليمات بتسليح المواطنين عند الحاجة للدفاع عن البلاد.
وفي ظل هذه الأجواء، مدّد وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي كان قد وصل إلى طهران في إطار مساعٍ لمنع الحرب، إقامته لليوم الثالث على التوالي. كما ترددت مساء الاثنين أنباء عن زيارة غير رسمية لوفد قطري إلى طهران، في مؤشر واضح إلى تصاعد الحراك الديبلوماسي الإقليمي لمنع اندلاع مواجهة عسكرية.
وفي الساعات الأخيرة من ليل الاثنين – الثلاثاء، أعلن ترامب أن ضربة عسكرية كانت مقررة الثلاثاء ضدّ إيران، لكنها أُلغيت. وقال إن هذا القرار جاء نتيجة طلب ووساطة كل من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، مشيراً إلى أن "مفاوضات جدية تجري حالياً، ويبدو أن اتفاقاً مقبولاً للولايات المتحدة ولدول الشرق الأوسط، وحتى خارجها، بات ممكناً".
وشدد ترامب على أن هذا الاتفاق، "وقبل كل شيء"، سيضمن عدم حصول إيران على سلاح نووي، في إشارة واضحة إلى أن الملف النووي لا يزال القضية الأكثر حساسية في الخلاف بين طهران وواشنطن، وهو أيضاً الذريعة الأساسية التي تستند إليها إسرائيل في مواجهتها مع إيران.

تفاهمات نووية تحت ضغط التصعيد
تفيد معلومات غير رسمية بأن الولايات المتحدة وافقت على عدم تسلّم 440 كيلوغراماً من اليورانيوم الإيراني، على أن يُنقل إلى دولة ثالثة، مثل روسيا أو الصين. ورغم أن المسؤولين الإيرانيين لم يؤكدوا رسمياً استعدادهم لتسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 60 في المئة، فإن عدداً من الخبراء السياسيين في إيران رأوا في الأيام الأخيرة أن هذه الخطوة قد تشكل "صفقة عادلة" إذا أدت إلى رفع العقوبات الأميركية وتعهد واشنطن وتل أبيب عدم شن هجمات جديدة على إيران.
في المقابل، يعارض التيار المتشدد داخل إيران هذا التوجه بشدة، بل يذهب إلى حد القول إن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وجّه انتقادات إلى رئيس البرلمان الإيراني والوفد المفاوض محمد باقر قاليباف بسبب محادثاته في إسلام آباد بشأن الملف النووي مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
في الوقت نفسه، يبدو أن إغلاق مضيق هرمز وتداعياته الخطيرة على أسعار النفط والطاقة العالمية كان من أبرز العوامل التي دفعت واشنطن إلى التردد في مواصلة الحرب. وقد امتدت آثار هذه الأزمة حتى شرق أفريقيا، حيث أدت الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود إلى اضطرابات في كينيا.
وتشير مصادر إيرانية إلى أن طهران أبلغت واشنطن بأن الخطوة الأولى نحو أي اتفاق يجب أن تكون رفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيراني. وفي هذه الحال، يمكن لإيران أن تبيع نحو 3.5 ملايين برميل يومياً بسعر يقارب 100 دولار للبرميل، ما يؤمّن إيرادات أسبوعية تصل إلى نحو 2.5 مليار دولار، تساعد في التخفيف من الأزمات الاقتصادية. علماً أن الحكومة الإيرانية كانت قدّرت سعر النفط في مشروع الموازنة عند 50 دولاراً للبرميل، قبل أن ترفعه الحرب الأخيرة إلى ما فوق 100 دولار.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان التوصل إلى تفاهم ممكناً بشأن قضايا أخرى، مثل وقف الحرب في لبنان، ودفع تعويضات لإيران، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، خصوصاً أن وتيرة التطورات والقرارات المتسارعة تجعل من الصعب تقديم أي توقعات دقيقة.

شكوك إيرانية عميقة
في إيران، ورغم أن كثيراً من السياسيين لا يرغبون في استمرار الحرب ويعتبرونها مكلفة للبلاد، فإنهم في الوقت نفسه لا يثقون بالولايات المتحدة، استناداً إلى تجارب سابقة، إلى حد أن بعضهم يرى في الرسائل الأخيرة لترامب مجرد "عملية خداع" تهدف إلى مفاجأة جديدة.
وفي هذا الإطار، تُفهم تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي دافع عن مبدأ التفاوض مع واشنطن، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن إيران "لن ترضخ للتهديد أو الإملاءات".
ويحذر بعض الخبراء الأمنيين في إيران من أنه في حال فشل المفاوضات، قد تبدأ أي ضربة أميركية – إسرائيلية مقبلة بعمليات اغتيال تطال قيادات إيرانية بارزة، مع تداول اسم مجتبى خامنئي كأحد الأهداف المحتملة، مؤكدين أن واشنطن وتل أبيب لن تترددا في تنفيذ مثل هذه العمليات متى ما توفرت الفرصة.
نبض