يمكن العثور على السؤال الأهم المرتبط بالحرب الروسية-الأوكرانية في مقال نشرته "فورين أفيرز" في 4 كانون الأول/ديسمبر الحالي للمؤرخ سيرغي رادشينكو: "في الواقع، كلا البلدين يخسر الحرب. السؤال هو: أيهما سيخسر أولاً؟".
لا يقدّم رادشينكو جواباً أكيداً، وموضوعه لا يتمحور أساساً حول هذا السؤال. وفي جميع الأحوال، لا أحد قادر على تقديم إجابة مؤكدة. مع ذلك، ثمة ملامح واسعة قد توجّه المراقب نحو المنحى العام للميدان.
روسيا تخلع رداءها القديم
لا تزال روسيا تتمتع بميزات عدة، بينها العدد. ستظل قادرة على مواصلة "موجات اللحم" لإرهاق الدفاعات الأوكرانية التي تعاني من نقص بشري مزمن. الميزة الثانية هي قدرتها على تطوير قطاع مسيّراتها كمّاً ونوعاً. من تداعيات ذلك أنها تستهدف تصاعدياً قواعد التحكم الخلفية للمسيّرات الأوكرانية، وهي القواعد التي كانت آمنة نسبياً. بالفعل، في مجال المسيّرات، تمكنت روسيا من اللحاق بأوكرانيا، وعلى الأرجح التفوق عليها.

علماً أن أوكرانيا، بعد خسارتها مدينة أفديفكا بداية 2024، وسّعت إمداداتها من المسيّرات في تلك السنة نحو 19 مرة. ولعل كلمة "روبيكون"، أو "المركز الروسي للتكنولوجيا المتطورة غير المأهولة" الذي أسسه وزير الدفاع أندريه بيلوسوف سنة 2024، باتت الأكثر تداولاً بين الجنود الأوكرانيين بسبب اقترانها بتطور حرب المسيّرات. ويلاحظ خبراء غربيون أن روسيا تعرقل الدعم اللوجستي الأوكراني، مما يثبط أكثر قدراتها الدفاعية على خطوط الجبهة.
ورغم بطء الجيش الروسي وإخفاقه في بداية الحرب، غير أنه تمكن من تعلم الكثير، إذ طور تقنيات عسكرية جديدة وحمى خطوطه اللوجستية. في الوقت نفسه، أدخل نحو 450 تعديلاً على توجيهاته القتالية وأسس مراكز ربط بين مختلف الوحدات، لنشر ما يتعلمه على أوسع نطاق. لكن ذلك لم يُترجم باختراق كاسر للتوازن.
أوراق أوكرانيا
رغم نقصها البشري وتراجعها النسبي في حرب المسيّرات، لا تزال أوكرانيا قادرة على الابتكار وإحداث المفاجآت. "شبكة العنكبوت" طغت على الحرب في 2025، كذلك تحريرها أخيراً معظم مدينة كوبيانسك. ولا تزال السيطرة على بوكروفسك، بعد نحو عامين من المعارك على هذا المحور، مراوغة للروس. بذلك، تحرم أوكرانيا روسيا من "لحظة" انتصارية للاستغلال الإعلامي. وتبدو شبكة تحصيناتها الجديدة على طول خط الجبهة فخاخاً قاتلة على نطاق واسع.
Thousands of kilometers of defensive fortifications have been built in Ukraine’s frontline regions
— NEXTA (@nexta_tv) December 21, 2025
Defense Minister Denys Shmyhal released a video showing anti-tank ditches, “dragon’s teeth,” and other fortifications stretching for hundreds of kilometers.
According to him, such… pic.twitter.com/OdcBdTp8GC
وفي الأسبوع الماضي، طاولت عملية اغتيال في موسكو اللفتنانت-جنرال فانيل سارفاروف الذي يرأس مديرية التدريب العملانية لهيئة الأركان المشتركة في الجيش الروسي. إذا وقفت أوكرانيا خلف الاغتيال فسيؤكد ذلك حرية الحركة في العمق الروسي. فهو الاغتيال الثالث من نوعه في عام واحد.
ويبدو أن أوكرانيا تحقق اختراقاً بحرياً ضد الروس. فهي استهدفت أخيراً غواصة روسية في ميناء نوفوروسييسك بمسيّرة تبحر تحت الماء. بصرف النظر عن نجاح الاستهداف من عدمه، يبقى أن إمكان وصول أوكرانيا إلى ميناء محصّن لافتة للنظر، بما أن روسيا سحبت معظم أسطول البحر الأسود باتجاه المدينة لحمايته من الهجمات الأوكرانية.
وبدأت أوكرانيا تستهدف سفناً تقول إنها تنقل النفط الروسي، في بحري المتوسط وقزوين، مما يعني أنها توسع الإطار الجغرافي لـ"عقوباتها النفطية" على روسيا. وهذا جزء من جهد حربي أخرج نحو 20 في المئة من المصافي الروسية عن عملها في الصيف الماضي.
إذن من "يخسر" أولاً؟
في مقابل التفوق البشري والجوي للروس، تملك أوكرانيا تفوقاً في المناورات التكتيكية. في الحالتين، يعجز كلا الطرفين عن تحويل نقاط قوتهما إلى غلبة استراتيجية، بل حتى عملانية. في النصف الثاني من سنة 2025، حققت روسيا تقدماً هو الأسرع على الأرض منذ انطلاق الحرب، بحسب "إيكونوميست". لكن ذلك كان قبل استعادة كوبيانسك وتعثر الجيش الروسي في بوكروفسك. يصعب أن يكون هناك خاسر واضح في 2026، وإن كانت المبادرة لا تزال بيد الروس.
نبض