81 عاماً على تأسيس الأمم المتّحدة… هل بدأ العالم البحث عن بديل؟
في 24 تشرين الأول 1945، دخل ميثاق الأمم المتحدة حيّز التنفيذ، مؤسساً لنظام دولي هدف إلى منع تكرار الحرب العالمية الثانية، وحماية سيادة الدول، وتنظيم العلاقات الدولية وفق قواعد مشتركة. اليوم، تواجه المنظمة أزمة مركّبة تتداخل فيها الحروب مع شلل مجلس الأمن، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي، وأزمة مالية تهدّد استمرارية عمليّاتها.
تتجاوز الإشكالية الأداء المؤسسي إلى سؤال أكثر عمقاً؛ فهل يستطيع نظام يستند إلى توازنات قديمة إدارة عالم تبدّلت فيه موازين القوى وطبيعة النزاعات؟ وهل تكفي الإصلاحات لإنقاذه، أم أن البدائل بدأت تتشكّل فعلياً؟
مجلس الأمن: قرارات معطّلة وشرعية على المحك
يشكّل مجلس الأمن، المسؤول بموجب المادة 24 من الميثاق عن حفظ السلم والأمن الدوليين، أبرز مظاهر الأزمة. ففي عام 2024، استُخدم حق النقض ثماني مرّات ضد سبعة مشاريع قرارات، في أعلى وتيرة سنوية منذ عام 1986. أما عام 2025، فانخفض عدد حالات الفيتو إلى أربع، فيما اعتمد المجلس 44 قراراً فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 1991. ولم تحظَ سوى 61.4% من القرارات بالإجماع.
في أوكرانيا، عطّل الفيتو الروسي قرارات تتصل بالحرب والسيادة الأوكرانية. وفي غزة، تفرملت مشاريع قرارات لوقف إطلاق النار، فيما حالت الانقسامات الدولية دون استجابة حاسمة للحرب في السودان. واستمر التعطيل عام 2026 مع استخدام روسيا والصين الفيتو بشأن أزمة الشرق الأوسط ومضيق هرمز.
حاولت الجمعيّة العامة الحدّ من تداعيات الفيتو عبر مبادرة ليختنشتاين عام 2022، التي تفرض مناقشته خلال عشرة أيام عمل، إضافة إلى المبادرة الفرنسية - المكسيكية الداعية إلى تقييد استخدامه في حالات الجرائم الجماعية. لكن هذه الآليات تفتقر إلى سلطة إلغاء النقض أو فرض قرارات بديلة ملزمة.
لبنان... عندما تفقد القرارات الدولية فاعليتها
تتجاوز أزمة مجلس الأمن عجزه عن إصدار القرارات إلى عدم ضمان تنفيذ ما يصدر عنه، خصوصاً القرارات المرتبطة بسيادة الدول وأمنها القومي.
يقدّم لبنان نموذجاً لهذه المعضلة. فالقرار 1559 الصادر عام 2004 دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها. وأكّد القرار 1680 عام 2006 ضرورة تنفيذ أحكامه، فيما شدّد القرار 1701، الصادر عقب حرب تموز، على تنفيذ اتفاق الطائف والقرارين السابقين، ونصّ على سحب السلاح من جميع التنظيمات المسلّحة غير الشرعيّة.
بعد نحو عقدين، بقي السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية إحدى أبرز مظاهر عدم تنفيذ هذه القرارات، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على السيادة وحصريّة القرار العسكري والأمني.
تفرض هذه التجربة سؤالاً أساسياً؛ ما القيمة العملية لقرارات دولية تتناول سيادة الدول وحصر السلاح بسلطاتها الشرعية، إذا كان مجلس الأمن عاجزاً عن ضمان تنفيذها؟
حروب مستمرّة وقانون دولي يتراجع
تكشف النزاعات في أوكرانيا والسودان وغيرها من بلدان النزاع اتساع الفجوة بين المبادئ القانونية وآليات تطبيقها. فحماية المدنيين، واحترام الحدود، ومنع استخدام القوّة، مبادئ أساسية في النظام الدولي، لكنها تصطدم بمصالح القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية.
تترافق هذه الأزمة مع تراجع عمليات حفظ السلام. فقد شهدت مالي والسودان والعراق إنهاء مهمّات أمميّة، فيما قرر مجلس الأمن، بموجب القرار 2790، تمديد ولاية اليونيفيل في لبنان للمرّة الأخيرة حتى نهاية عام 2026، تمهيداً لانسحابها المنظّم.
في تموز 2026، طرح الأمين العام أنطونيو غوتيريش مراجعة لعمليات السلام، تدعو إلى تعزيز الوساطة والديبلوماسية الوقائية والبعثات المرنة بدلاً من الانتشار التقليدي الواسع. لكن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناً بتوافر إرادة سياسية دولية لمعالجة النزاعات.
أزمة مالية تهدّد استمرارية المنظمة
تواجه الأمم المتحدة أزمة سيولة نتيجة تأخر الدول الأعضاء في تسديد مساهماتها، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية عام 2025 بنسبة 23.1% إلى نحو 174.3 مليار دولار، مع انخفاض حاد في المساهمات الأميركية.
تفاقمت الأزمة بفعل آلية إعادة الأرصدة غير المستخدمة إلى الدول الأعضاء، حتى عندما يكون عدم إنفاقها ناتجاً من تأخر المساهمات. ودفع ذلك الجمعية العامة إلى تعديل آلية احتساب هذه الأرصدة بصورة تجريبية عام 2026.
أطلق غوتيريش في آذار 2025 مبادرة UN80 القائمة على تحسين الكفاءة الإدارية، ومراجعة آلاف التفويضات، وإعادة تنظيم البرامج والوكالات، بما يشمل خفض الوظائف ونقل أنشطة إلى مراكز أقلّ كلفة.
غير أن الإصلاح الإداري لا يعالج وحده أزمة القرار السياسي، أو عجز مجلس الأمن عن فرض احترام القانون الدولي.
ترامب ومجلس السلام: بداية نظام دولي موازٍ؟
تكتسب أزمة الأمم المتحدّة بعداً إضافياً مع سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي انتقد فاعلية المنظمة، وقلّص انخراط الولايات المتحدة في مؤسسات دولية متعدّدة، مفضّلاً ترتيبات تقوم على المصالح المباشرة والقدرة على تحقيق نتائج سريعة.
في كانون الثاني 2026، أطلق ترامب في دافوس "مجلس السلام"، الذي نشأ ضمن ترتيبات غزة، قبل أن تتوسّع طموحاته المعلنة نحو معالجة نزاعات دولية أخرى.
رغم تأكيد ترامب أن المجلس سيعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة، أثارت صلاحياته وطبيعة قيادته مخاوف من تحوّله إلى إطار موازٍ لمجلس الأمن، خصوصاً مع تحفظ دول أوروبية على الانضمام إليه.
تتجاوز دلالة المبادرة ملف غزة. فهي تطرح نموذجاً لإدارة النزاعات عبر تفاهمات تقودها قوّة كبرى، خارج آليات التمثيل والتصويت التقليدية في الأمم المتحدة.
يتزامن ذلك مع صعود تكتلات مثل "بريكس" ومجموعة العشرين، واتساع التحالفات الإقليمية والاقتصادية. لكن هذه الأُطر لا تمتلك حتى الآن الشرعيّة العالمية أو الشمولية القانونية التي تتمتع بها الأمم المتحدة.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل النظام الدولي
تبدو المنظمة أمام ثلاثة احتمالات؛ نجاح الإصلاحات وتعزيز دور الجمعيّة العامة وتطوير عملياّت السلام؛ أو استمرار التراجع التدريجيّ مع انتقال القرارات الاستراتيجية إلى تحالفات موازية؛ أو تفكك فاعليّة النظام المتعدّد الأطراف لمصلحة موازين القوّة والردع.
تكتسب هذه الخيارات أهميّة خاصة مع انتهاء ولاية غوتيريش في 31 كانون الأول 2026، وتسلّم أمين عام جديد مهماته مطلع 2027، وسط تحدّيات مالية ومؤسسية وسياسية متراكمة.
بعد 81 عاماً، قد تستمرّ الأمم المتحدة بمؤسساتها وميثاقها، حتى لو تراجعت قدرتها على التأثير. لكن بقاء المنظمة لا يعني بالضرورة بقاء النظام الدولي الذي قامت لحمايته.
فهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، التي تفتح سؤالاً مهماً. فهل ستستطيع الأمم المتحدة استعادة قدرتها على تنظيم العلاقات الدولية وفرض احترام قواعدها، أم أن العالم ضُرب في عمقه بتراجع شرعيّة المؤسسات لمصلحة قوّة الدول والتحالفات؟
بعد 81 عاماً على تأسيس الأمم المتحدّة، لم يعد السؤال عمّا إذا كانت المنظمة قادرة على الاستمرار، بل عمّا إذا كان النظام الدولي الذي تجسّده لا يزال قابلاً للحياة، أم أن العالم الذي تحاك في غرفه معادلات القوّة يعيد رسم كامل قواعده خارج أروقتها؟
نبض