الأصول الإيرانية المجمّدة: ما هي؟ اين هي؟ ولماذا لا تستطيع طهران استخدامها؟
هذه الأموال تعود لإيران قانونياً، إلا أن القيود المالية والعقوبات تمنعها من الوصول إليها أو استخدامها بحرية.
تُعدّ الأصول الإيرانية المجمّدة أموالاً مملوكة لإيران، جُمعت بمعظمها من عائدات صادرات النفط، لكنها محتجزة في بنوك ومؤسسات مالية أجنبية بسبب العقوبات الأميركية والغربية المفروضة على طهران. وتشمل هذه الأصول إيرادات النفط، واحتياطيات العملات الأجنبية، وودائع البنك المركزي الإيراني، إضافة إلى مستحقات مالية مترتبة على دول أخرى.
ورغم أن هذه الأموال تعود لإيران قانونياً، فإن القيود المالية والعقوبات تمنعها من الوصول إليها أو استخدامها بحرية.
لماذا جُمّدت الأموال الإيرانية؟
بدأت أزمة تجميد الأصول الإيرانية عقب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وأزمة الرهائن الأميركيين، حين أمر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بتجميد أصول إيرانية في خارج إيران تقدر بمليارات الدولارات.
شهد الملف محطات بارزة عبر العقود:
1981: أُفرج عن جزء من الأموال بعد اتفاق الجزائر، حين توسطت الجزائر لحل أزمة الرهائن الأميركيين في إيران. ونتج عنها إطلاق سراح 52 رهينة أميركية كانوا محتجزين في السفارة بطهران 444 يوماً.
2005: توسعت العقوبات على خلفية البرنامج النووي الإيراني، وتطوير الصواريخ الباليستية، واتهامات غربية تتعلق بدعم جماعات موالية لطهران في المنطقة، مثل الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان.
2015: تم توقيع اتفاقية العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، ما أتاح لإيران استعادة جزء من وصولها إلى النظام المالي العالمي.
2018: انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق، ما أدى إلى عودة العقوبات.
2023: أُبرمت صفقة تبادل سجناء أُفرج بموجبها عن 6 مليارات دولار نُقلت إلى قطر.
2024: فُرضت عقوبات جديدة وأُعيد تجميد الأموال.
2025: أُعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة.
2026: تجري مفاوضات بشأن رفع العقوبات مقابل ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز.
وتسببت هذه العقوبات بعزل إيران إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي، خصوصاً التعاملات المرتبطة بالدولار الأميركي، كما منعت العديد من الدول والبنوك من تحويل الأموال مباشرة إلى طهران، ما أدى إلى إبقاء الأموال داخل حسابات مقيّدة أو حسابات ضمان تخضع لرقابة مشددة.
أين توجد الأصول الإيرانية المجمّدة؟
تنتشر الأصول الإيرانية المجمّدة في دول عدة: تحتفظ الصين بما لا يقل عن 20 مليار دولار من الأموال الإيرانية، بينما تملك الهند نحو 7 مليارات دولار، والعراق قرابة 6 مليارات دولار مرتبطة بمستحقات الغاز والكهرباء.
كما توجد نحو 6 مليارات دولار في قطر، وهي الأموال التي نُقلت من كوريا الجنوبية عام 2023 ضمن صفقة تبادل سجناء بين إيران والولايات المتحدة، قبل أن تُجمّد مجدداً تحت رقابة أميركية.
أما اليابان فتحتفظ بنحو 1.5 مليار دولار من العائدات النفطية الإيرانية، في حين توجد أصول أخرى داخل أوروبا، خصوصاً في لوكسمبورغ وبلجيكا، إضافة إلى نحو ملياري دولار مجمّدة داخل الولايات المتحدة.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن الأموال الإيرانية المحتجزة في المؤسسات المالية الأوروبية قد تتراوح بين 15 و25 مليار دولار، فيما تتحدث تقديرات متداولة عن أن إجمالي الأصول الإيرانية المجمّدة يتجاوز 100 مليار دولار، تشمل النقد والذهب والأصول المملوكة للدولة، رغم غياب رقم رسمي دقيق بسبب تغيّر أسعار النفط وأسعار الصرف وطبيعة بعض الحسابات المالية.
ووفق وكالة "رويترز"، نقلت عن مصدر إيراني كبير قوله إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة الموجودة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، معتبراً أن المحادثات الجارية في إسلام آباد تدل على جدية للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، إلا أن مسؤولاً أميركياً نفى ذلك للوكالة.
لماذا لا تستطيع إيران استخدام هذه الأموال؟
رغم وجود هذه الأموال في الخارج، فإن إيران لا تستطيع استخدامها بحرية بسبب العقوبات الثانوية الأميركية، التي تستهدف أي بنك أو مؤسسة مالية تتعامل مع طهران.
لذلك، حتى الأموال الموجودة في قطر تخضع لآلية رقابة تسمح باستخدامها فقط في تمويل الواردات الإنسانية مثل الغذاء والدواء والمعدات الطبية.
كما أن معظم البنوك العالمية تتجنب التعامل مع الأموال الإيرانية خشية التعرض لعقوبات من وزارة الخزانة الأميركية، ما يجعل نقل الأموال أو استخدامها عملية شديدة التعقيد.

لماذا يُعد الملف حساساً في المفاوضات الدولية؟
يُعتبر ملف الأصول المجمّدة واحداً من أكثر القضايا حساسية في المفاوضات بين طهران وواشنطن، إذ ترى إيران أن الإفراج عن الأموال حق قانوني، بينما تعتبره الولايات المتحدة ورقة ضغط مرتبطة بالملف النووي والسلوك الإقليمي الإيراني.
ولهذا تأتي أي عمليات إفراج عن الأموال عادة بشكل تدريجي ومشروط، وغالباً عبر آليات رقابة دولية أو قنوات إنسانية محددة.
ماذا سيحدث إذا أُفرج عن الأموال؟
يرى خبراء اقتصاديون أن الإفراج عن هذه الأموال قد يشكل متنفساً مهماً للاقتصاد الإيراني، من خلال دعم العملة المحلية، وتخفيف أزمة السيولة، وتمويل مشاريع البنية التحتية، خصوصاً في ظل التضخم المرتفع وتراجع قيمة الريال الإيراني.
وفي المقابل، تخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن يؤدي رفع التجميد الكامل إلى استخدام جزء من هذه الأموال في تمويل النشاطات العسكرية أو توسيع النفوذ الإقليمي الإيراني، ما يجعل الملف مرتبطاً بشكل مباشر بأي اتفاق سياسي أو نووي مستقبلي.
في المحصلة، يُعدّ ملف الأصول الإيرانية المجمّدة مثالاً واضحاً على كيفية تحوّل الأصول المالية إلى أدوات ضغط جيوسياسي، إذ لم تعد الأموال السيادية مجرد موارد اقتصادية، بل أصبحت جزءاً من معادلات النفوذ والدبلوماسية والصراع الدولي.
نبض