شركات الطيران تعيد حساباتها... والمسافر أيضاً: نقص في الإمدادات وتكاليف قياسية

اقتصاد وأعمال 21-04-2026 | 17:07

شركات الطيران تعيد حساباتها... والمسافر أيضاً: نقص في الإمدادات وتكاليف قياسية

الطائرة التي تستهلك نحو 5 أطنان من الوقود في الساعة، كانت تكلفتها نحو 2500 دولار في شباط، أما اليوم فقد ارتفعت إلى نحو 8000 دولار
شركات الطيران تعيد حساباتها... والمسافر أيضاً: نقص في الإمدادات وتكاليف قياسية
تعبيريّة.
Smaller Bigger

هل كنت تخطط للسفر هذا الصيف؟ ربما حجزت تذكرتك، أو بدأت ترسم برنامج عطلتك بين مدينة وأخرى، أو حتى تؤجل القرار في انتظار "عرض مناسب". ولكن مهلاً... مشاريعك يمكن أن تتغير كلياً. فمشهد الطيران العالمي يعيش تحولات متسارعة قد تعيد خلط الأوراق، مع تصاعد أزمة وقود الطائرات التي باتت تهدد ليس فقط أسعار التذاكر، بل انتظام الرحلات نفسها.

 

 

مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة، وما رافقها من اضطرابات في إمدادات النفط وتقييد الملاحة في مضيق هرمز، دخل قطاع الطيران العالمي مرحلة غير مسبوقة من الضغط. ولم يعد الأمر يقتصر على ارتفاع الكلفة، بل تعداه إلى مخاوف جدية من نقص فعلي في وقود الطائرات، ما يهدد ذروة موسم السفر الصيفي.

 

شركات الطيران في "وضع الدفاع"
خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت كبريات شركات الطيران العالمية تقليص عملياتها على نحو ملحوظ. فقد خفضت شركات مثل "لوفتهانزا" و"يونايتد إيرلاينز" و"كاثي باسيفيك" سعاتها التشغيلية، فيما أعلنت "كيه إل أم" إلغاء عشرات الرحلات من مطار أمستردام خلال الأسابيع المقبلة.

 

وتشير بيانات شركات التحليل إلى أن السعة التشغيلية العالمية تراجعت بالفعل، مع توقع انكماش إضافي إذا استمرت الأزمة. وبدأت شركات أخرى بإخراج طائرات قديمة من الخدمة أو تعليق خطوط كاملة، في محاولة لاحتواء الخسائر الناتجة من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود.

 

هذه الإجراءات تعكس تحول القطاع إلى ما يشبه "إدارة الأزمة"، إذ لم يعد الهدف تحقيق الأرباح بقدر ما أصبح الحفاظ على الاستمرارية.

 

الحوت: كلفة أسعار ونقص في الإمدادات
عاملان يتعلقان بارتفاع الأسعار، واحتمال نقص الإمدادات، لا يمكن فصلهما عن أزمة شركات الطيران. وهنا يكتسب كلام رئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت أهمية لكونه يختصر طبيعة الأزمة بدقة.

 

تعبيريّة.
تعبيريّة.

 

 

يقول: "ثمة مشكلتان، أولاهما ارتفاع الأسعار، والثانية، وهي الاهم، تتعلق بنقص الإمدادات". ويوضح أن "التركيز على الأسعار وحدها قد يكون مضللاً، لأن توافر الوقود أساساً بات موضع شك في بعض الأسواق".

 

ويشير إلى أمثلة من دول عدة، حيث لا تحصل شركات الطيران على كامل حاجتها من الوقود رغم فتح الأسواق، ما يعكس خللا في سلاسل الإمداد العالمية.

 

أما من ناحية الأسعار، فيلفت الحوت إلى فجوة كبيرة بين ارتفاع النفط الخام وارتفاع المشتقات النفطية، خصوصاً وقود الطائرات. فبينما ارتفع سعر النفط بنحو 50%، قفز سعر وقود الطائرات بأكثر من 220%، إذ ارتفع سعر الطن من نحو 700 دولار إلى ما يقارب 1700 دولار خلال أشهر قليلة، علما أنه يجب أن تؤخذ في الاعتبار عوامل عدة مثل كلفة الشحن وأسعار التأمين.

 

هذه القفزة تعني عملياً تضاعف كلفة الوقود بين مرتين ومرتين ونصف مرة، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة الرحلات. 

 

ولتوضيح حجم التأثير، يقدم الحوت مثالاً بسيطاً. فالطائرة التي تستهلك نحو 5 أطنان من الوقود في الساعة، كانت تكلفتها نحو 2500 دولار في شباط الفائت، أما اليوم فقد ارتفعت إلى نحو 8000 دولار.

 

هذا الفارق، وفق الحوت، يعني زيادة تراوح بما بين 40 و50 ألف دولار على كلفة الرحلة الواحدة، وهو رقم كفيل بقلب ميزانيات شركات الطيران، ودفعها إما إلى رفع الأسعار وإما إلى إلغاء الرحلات غير المجدية.

 

ويذكر بأن الوقود يشكل أساسا ما بين 30 و35% من كلفة التشغيل، أما حالياً فيشكل أكثر من 55%، ما يجعله العامل الأكثر حساسية في معادلة الربحية.

 

هل من نقص في الامدادات؟

وفق رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط مارون شماس فإن لا نقص بالإمدادات في لبنان، فهي متوافرة حالياً. ومن المعروف أن "الميدل إيست" تستهلك نحو نصف الكميات في مطار بيروت، ومع تخفيف رحلاتها وتوقف الشركات الأجنبية، انخفض استهلاك وقود الطائرات بنسبة تراوح بين 65% و70%.

 

لكن المشكلة الأساسية برأي شماس ستبدأ بالظهور اعتباراً من أواخر نيسان وحتى مطلع أيار، حيث سنضطر إلى إضافة كلفة "بريميوم" (الكلفة الإضافية لنقل البضاعة من المصفاة إلى مرفق التفريغ) على الأسعار، لأننا سنعود إلى الاستيراد بكلفة مرتفعة جداً، خصوصاً أن الأسعار تضاعفت في شهر آذار بشكل كبير.

 

عموماً، سينعكس هذا الارتفاع على أسعار تذاكر الطيران، مع الإشارة إلى أن كلفة الوقود لا تشكل سوى نحو 30% من كلفة تشغيل الطائرة، بينما تشمل بقية التكاليف الطائرة نفسها والطاقم والتأمين وغيرها من العناصر. لذلك، فإن تضاعف سعر الوقود لا يؤدي بالضرورة إلى تضاعف سعر التذكرة، لكنه ينعكس ارتفاعاً ملحوظاً ضمن منظومة التسعير النهائية.

هل يصبح السفر رفاهية؟ 
قد لا يكون السؤال هذا الصيف إلى أين نسافر؟ بل هل نسافر أصلاً؟ فقطاع الطيران يجد نفسه أمام معضلة لا يمكن الاستهانة بها، فيما تبقى خطط ملايين المسافرين معلقة على تطورات لا يملكون السيطرة عليها.

 

بالنسبة إلى المسافرين، لا تقتصر التداعيات على ارتفاع أسعار التذاكر. فمع احتمال نقص الوقود، قد يشهد الصيف إلغاء رحلات في شكل مفاجئ، وتقليص عدد الوجهات، وتغييرات متكررة في الجداول، وارتفاع الرسوم الإضافية. كما أن بعض الشركات بدأت بتحميل المسافرين جزءا من الكلفة، سواء عبر رفع أسعار التذاكر أو إضافة رسوم وقود جديدة.

 

وعلى رغم الصورة القاتمة، يشير الحوت إلى أن بعض المؤشرات بدأت تتحسن جزئياً في مناطق محددة، مع إعادة تنظيم المسارات الجوية وتخفيف كلفة الرحلات في بعض الوجهات. لكنه يؤكد أن الشركات "تحاول التكيف وتغطية التكاليف" في ظل واقع متقلب.

 

أما على المستوى العالمي، فتبقى الأزمة مرهونة بتطورات المشهد الجيوسياسي، خصوصاً في الخليج. فاستمرار القيود على الإمدادات عبر مضيق هرمز يعني بقاء الضغط على القطاع، وربما تفاقمه.