التوافق سبيلاً للتحوّل الديموقراطي في العالم العربي

التوافق سبيلاً للتحوّل الديموقراطي في العالم العربي
غلاف كتاب "الإسلام والديموقراطية في العالم العربي" لهشام العلوي.
Smaller Bigger

الدكتور كرم الحلو

هل بالامكان المصالحة بين الدين والديموقراطية في العالم الاسلامي؟ وهل تتوافق الفكرة الديموقراطية مع سمات النظام الاجتماعي في المجتمعات المسلمة؟ وهل ثمة امكانية في هذه المجتمعات للفصل بين السلطتين الدينية والسياسية؟ 

على خلفية هذه الأسئلة الاشكالية ذهب هشام العلوي في "الاسلام والديموقراطية قي العالم العربي، مصر وتونس من منظور مقارن" (دار الساقي 2025)، الى أن الاسلام قابل للتعددية، وأن المسلمين لم يكونوا مرتبطين بوجهة جامدة للوحي، كما أن التفاعل بين الثقافة الاسلامية والديموقراطية الليبرالية،ليس قابلا للتصور فحسب، بل هو ممكن أيضا لما في الثقافة الاسلامية من موارد كامنة يمكن تسخيرها لصالح الديموقراطية، ما يدحض بالكامل الرؤية الاستشراقية المتحيّزة التي تذهب الى أن الاسلام يرفض في المطلق فكرة فصل السلطة الدينية عن المؤسسات السياسية، والى أن الاسلام الحقيقي لا يرفض القيم الغربية فقط، بل حتى الدولة القومية الحديثةوهو نافر للدولة العلمانية،وبالتبع للديموقراطية التي تتيحها.

على الضد من هذه الرؤية المجافية للحقيقة، يرى المؤلف أن المرء لا يحتاج النظر بعيدا في العالم الاسلامي كي يقف على ندرة الدولة التيوقراطية، وأنه لا يوجد مجتمع مسلم اليوم يحكم حصرا بمرجعية الشريعة الاسلامية. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على سبيل المثال، تفصل جميع الأنظمة السيايبة تقريبا بين السلطة الدينية والسلطة السياسية عمليا، حتى وان كانتا مدمجتين رمزيا.

في ضوء هذه المبادىء والاستنتاجات يحدد العلوي رؤيته لمفهومي العلمانية والديموقراطية. فنظرية التحديث التي يقول بها لا تخلط بين العلمانية والتجربة الأوروبية التي أدّت الى اضعاف الدين والتدين، ولا تطبق الا على المجال المؤسساتي، ولا تقول شيئا عن القيم الدينية أو التدين نفسه خارج مجال السياسة، كما أنها تقوم على التمييز القانوني بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات الدينية، ولا تنكر في الوقت نفسه حق الجماعات الدينية بالمشاركة في السياسة والمجتمع المدني، وحق الطلاب بارتداء الرموز الدينية الأساسية في عقيدتهم، لكنها لا تسمح أيضا لأي دين بفرض معتقداته وقواعده على أي مجتمع، كما أن الدولة العلمانية لا تستطيع سياسيا أن تفرض الالتزام بالدين أو منعه.

من هنا ان الديموقراطية لا بد من أن تكون في اطار علمانية سياسية، من دونها قد تتحول الى صورة أخرى من صور الاستبداد والغاء التعددية ورفض الاعتراف بالآخر. وهذه الديموقراطية لايمكن تحقيقها في نظر المؤلف من خلال الغلبة في معارك التأويل والتفسير لأن الحال في الواقع السياسي المعاصر لا تفيد فيه صراعات التأويل التي لا نهاية لها، ولا تؤدي الى صياغة أنظمة سياسية جديدة، لأن المناقشات العقائدية ليس لها حكم نهائي. ولهذا ان النقاش في قضايا الفهم والتأويل لا يقدم خطة عملية للديموقراطية في الشرق الأوسط المعاصر.

 

غلاف كتاب “الإسلام والديموقراطية في العالم العربي“ لهشام العلوي.
غلاف كتاب “الإسلام والديموقراطية في العالم العربي“ لهشام العلوي.

 

فالديموقراطية الاسلامية تعتمد على قدرة المسلمين على التكيف مع ظروف الصراع الصعبة من خلال المفاوضات والتسويات التي هي مادة السياسة الحديثة وأدواتها، وقد كانت للمسلمين دوما خيارات خلاّقة وابتكارات مؤسساتية عندما واجهتهم تحديات الحكم واكراهات الصراع. وليس صحيحا أن باب الاجتهاد قد أغلق بحلول القرن التاسع، فالتطورات الجديدة والحاسمة يمكن أن تسمح للفاعل الاسلامي بتصوّر العلمانية والديموقراطية التوافقية باعتبارهما تكييفا صوريا للتعامل مع الاشكاليات الحديثة، فتلك هي مقاصد الشريعة والسياسة الشرعية، وقد قاد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده تفسيرات حداثية للاسلام من خلال التجديد الداخلي. لكن الحركات الاسلامية ذهبت في اتجاه آخر مخالف باعتبار الانحدار الحضاري انما حدث لأن المسلمين ضلوا عن عقيدتهم وأن الحل في العودة الى الأصالة واطراح الأدوات والقيم الغربية، طارحة آلية الكفاح الديني طريقا للخلاص. فما الذي يمكن فعله في ظل هذا الانقسام الحاد بين الأحزاب والرؤى واحتمالية الدمار المتبادل؟

في ظروف كهذه على المتنافسين السياسيين أن يتعلموا التراضي والتسوية في ما بينهم من خلال الاتفاقيات التي أصبحت تعرف بالتوافق .فنظرية التوافق هي الطريقة المثلى،في رأي العلوي، للانتقال بالنظام عن الحكم الاستبدادي، وربما تكون الأكثر قابلية للتطبيق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حين لن يتمكن الاسلاميون والعلمانيون من التوصل الى اتفاق. وقد أظهر انهيار الاستبداد في البرتغال واسبانيا ومعظم أميركا اللاتينية وشرق آسيا خلال العقد الأخير من الحرب الباردة عن الدور المركزي لنظريات التوافق الديموقراطي باعتباره الطريقة الأكثرفاعلية لتجنب العنف،لأن التسوية والجنوح الى الحلول الوسطى خير من الاستئصال والابادة، وبالتالي فهي الخيار الأقل سوءا. فالديموقراطية لا تفرض ادعاءات كلية وشاملة حول المضامين الايديولوجية الأفضل بل تكتفي بانتزاع وعد من المشاركين بأنهم اذا ما خسروا في أي سباق انتخابي أو تنافس سياسي، لن يلجؤوا الى العنف لعكس النتائج، لأن التوافقات هي تسويات جرى التفاوض بشأنها وهي تتطلب من المشاركين القبول بتنازلات متبادلة وضمانات متبادلة، ولكن في الوقت نفسه يجب أن يكون هناك مفهوم مشترك الى حد معقول للمواطنة وحدود الوطن والأمة، وعدم نقض الأطراف السياسية لالتزاماتها.ولا داعي لأن يكون التوافق محل اجماع شامل بين جميع الآراء والقوى، الا أن استبعاد نقاط الخلاف الأكثر اثارة للجدل مثل الهوية الدينية أمر لا بد منه كي لا ينخرط أي فصيل رئيسي في العنف.

ويجب أن يكون هناك تكافؤ في القوة بين الأطراف الرئيسية، ولا أحد يمتلك الامتياز أو الكلمة النهائية بحيث يؤدي الصراع اما الى الانتصار على الجميع واما زوال الجميع، وهو ما يمثل أسوأ نتيجة ممكنة.

في مفهوم الديموقراطية التوافقية يميز المؤلف بين أنظمة استبدادية تنافسية تسمح ببعض مساحات للتعددية المدنية والنقاش المفتوح وان لم تسمح بمنافسة معتبرة، وأنظمة هيمنة مغلقة لا تسمح بأي منافسة حقيقية ولو كانت احتمالات انتصار المعارضة معدومة. شاع النمط الأول من الدمقرطة مع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حيث بات من الممكن العثور على ألوان من الاستبداد التنافسي في أميركا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا الشرقية وجنوب شرقي آسيا وسواهما. أما النمط الثاني فينطبق على الأنظمة العربية فانها جميعا،تقريبا، لم تسمح بتداول حقيقي للسلطة وظلت أنظمة هيمنة مطلقة. ومنذ الربيع العربي لم تتحرك الأنظمة غير الديموقراطية نحو منافسة أكبر بل غدت أكثر صلابة وظل شاغلو المناصب التنفيذية أكثر قوة وتشددا مع المعارضة.

في رأي المؤلف، أن ممارسة التوافق بالعالم العربي تحتل مركز الصدارة باعتبارها المسار نحو الديموقراطية الأكثر ورودا في الشرق الأوسط،كونها تسعى الى عزل الخلافات الايديولوجية التي يمكن أن تغذي الصراع المفتوح بنحو يجعلها بعيدة عن الأجندة العالمية للصياغة المؤسساتية التي تتبع انهيار الأنظمة الاستبدادية المغلقة، فمن غير المنطقي انتظار التوصل الى نظام ديموقراطي من خلال التوافق العصي بين ايديولوجيات متناقضة في الرؤى والتصورات للكون والمجتمع والانسان. وسيكون من الحمق على سبيل المثال مطالبة الأخوان المسلمين الملتزمين دينيا بأن يرحبوا بتصور علماني يطرحه نشطاء المجتمع المدني أو أن يرحب هؤلاء بتصورات الاسلاميين السياسية والاجتماعية.تأسيسا على هذا المفهوم للديموقراطية التوافقية يقارن العلوي بين التجربتين التونسية والمصرية في الانتقال الى الديموقراطية، فلماذا نجحت الأولى وأخفقت الثانية؟

في الحالة التونسية ينبغي تجاهل التغيرات التي تربط عملية التحول الديموقراطي من خلال المفاوضات بين الاسلاميين والعلمانيين، بخصوصية الحالة التونسية التي لا تقضي سلفا بالديموقراطية، ولكنها تشرح الديناميات الأساسية التي جعلت التوافق ممكنا. فقد كان الاسلاميون والعلمانيون متساوين نسبيا في المكانة والسلطة، وهو التوافق الذي يمكن ارجاعه الى الوطنية المتماسكة في مجتمع مدني جيد التعبئة، الى التعددية المعيارية، فلا حزب النهضة ولا نظراؤه العلمانيون قادرون على هزيمة بعضهم بعضا بمفردهم أو أن يتم التغلب على الانقسامات الايديولوجية بالقوة الغاشمة، ما جعل التوافق خيارا واقعيا.

أما في مصر فقد أدى فشل الديموقراطية التوافقية الى عودة الدكتاتورية، فلم تدافع أي جماعة علمانية كبرى عن الدولة المدنية، أو عن جماعة الأخوان المسلمين أثناء حملة القمع. وفي هذا الوقت لم يكن ثمة مرادف مؤسساتي مصري ل"الرايطة التونسية لحقوق الانسان" فبينما دافعت تلك المنظمة التونسية لحقوق الانسان عن حق النهضة في الوجود. وحتى أثناء وحتى أثناء الانهيار الوشيك لعملية التوافق خلال صيف 2013 لم تكن في مصر جمعية حقوقية تعادل ما كان في تونس.

من الواضح اذن أن خيارات الفاعلين الاسلاميين والعلمانيين لم تفض الى تسويات متكررة تمكن من تحقيق انتقال ديموقراطي ناجح. فقد شهدت تونس بعد قطيعتها مع نظام استبدادي تحولا أفضى الى نظام انتخابي خال من العنف، في حين لم تسفر الحالة المصرية عن نتيجة مشابهة للنظام التونسي.

في رؤيتنا الختامية نرى أن الكتاب أضاء على الكثير من النقاط الاشكالية للديموقراطية في العالم العربي، الا أنه حصر رهاناته تقريبا في الديموقراطية التوافقية. لكننا في المقابل أنه من الخطأ المبالغة في الرهان على ديموقراطية منزوعة من سياقها الليبرالي، فطالما كانت هذه الديموقراطية مقدمة لديكتاتوريات أشد ضراوة، وطالما آلت التسويات الهشة بين المتناقضات الايديولوجية الى انقلابات ليست في مصلحة الديموقراطية، ولعل ذلك ما اعتور أكثر الحركات الديموقراطية في ما عرف بالربيع العربي.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/28/2025 3:43:00 PM
نيفين العياصرة: "تعرضت إلى الشتائم والقدح والذم وسأتخذ بشأنها إجراءات قانونية واضحة".
كتاب النهار 11/29/2025 4:00:00 PM
مقاربته للمشهد بعد تجربته في السجن لم تختلف عن تلك التي كان يعتمدها عندما كان في سدة المسؤولية.
لبنان 11/26/2025 5:22:00 AM
كل ما يجب معرفته عن زيارة الحبر الأعظم الأحد
سياسة 11/28/2025 5:57:00 PM
تفاصيل غير مسبوقة عن كيفية وصول الموساد إلى عماد مغنية