من بوش إلى ترامب… الجنوب أمام الفرصة الأخيرة
حسن درغام
قبل خمسة وعشرين عاماً، في 11 أيلول 2001، غيّر الهجوم على الولايات المتحدة وجه العالم. وبعد أقل من عامين، في 2003، انتقلت "الحرب على الإرهاب" من أفغانستان إلى اجتياح العراق وإسقاط نظام صدام حسين. وفي الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات، قالت كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي في إدارة جورج بوش يومها، إن من كانوا في موقع القرار "لم يروا الخطر في الوقت المناسب لمنعه".
لكن حربي أفغانستان والعراق لم تعيدا فقط رسم الحرب الأميركية على الإرهاب؛ بل أعادتا توزيع موازين القوة. وبسقوط خصمين لـ طهران في كابول وبغداد، اتسع نفوذ إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان، وتبلور لاحقاً ما سُمّي "محور المقاومة".
اليوم، بعد 7 تشرين الأول، وحرب غزة والإسناد، وسقوط نظام الأسد، ثم حرب شباط على إيران، لم يعد الإقليم نفسه. وخلصت The Economist إلى أن المحور لم يعد كتلة واحدة: حزب الله أضعف وأكثر اعتماداً على طهران، الحوثيون أكثر استقلالاً، والميليشيات العراقية أقرب إلى حساباتها المحلية.
ولا يعني تراجع قدرة إيران على ضبط محورها فقدان قدرتها على رفع الكلفة. فهرمز وباب المندب عقدتان أساسيتان للطاقة العالمية: يمر عبر هرمز نحو 21 مليون برميل نفط يومياً وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، فيما تعبر باب المندب ملايين البراميل يومياً. ومع اضطراب هرمز ونقل الحوثيين المواجهة إلى باب المندب، استُهدف خط شرق–غرب السعودي ولامس النفط 110 دولارات.
لكن التصدّع بلغ القرار الإيراني نفسه. وكشف تحقيق في The New York Times صراعاً بين جناح تفاوضي يقوده مسعود بزشكيان ومعه محمد باقر قاليباف، عرّاب مسار التسوية مع واشنطن، ومتشدّدين دفعوا نحو التصعيد. وحتى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي تولّى محسن رضائي أمانته، جُهّل ببعض هجمات هرمز. والسؤال لم يعد: هل تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق؟ بل: هل تستطيع طهران، إذا وقّعته، أن تفرضه داخلها؟
وتبحث واشنطن، بعد أن طالت حرب أرادها ترامب سريعة وحاسمة، عن اتفاق يمنحه نتائج قبل الانتخابات النصفية، فيما يواصل حصاره الخانق لإيران. لكنه يرفع سقف شروطه: لن يقبل اتفاقاً بأي ثمن، بل ما يستطيع تقديمه انتصاراً سياسياً.
من بوش إلى ترامب، تغيّرت الأدوات، لكن الشرق الأوسط ما زال يعيش نتائج قرارات لم تعد القوى التي أطلقتها تتحكم بمآلاتها. وإذا كانت المرحلة التي صاغت وظيفة الجنوب قد تغيّرت، فلماذا يبقى الجنوب أسيرها؟
دخل أهالي الحدود عامهم الثالث بين النزوح والعودة الناقصة. فالانتظار لم يعد حياداً؛ بات تكريساً للاحتلال، فيما يحيل التجريف المؤقت إلى دائم ويؤجل العودة والإعمار.
في علي الطاهر ظهرت المعضلة. فجّرت إسرائيل المنشأة بعد السيطرة عليها، وبرز غضب لأن الموقع لم يُسلَّم إلى الجيش قبل خسارته. كل موقع لا يتسلّمه الجيش يعطي إسرائيل ذريعة للبقاء، وكل بقاء إسرائيلي يمنح حزب الله ذريعة للاحتفاظ بسلاحه.
لذلك يبقى "اتفاق الإطار" المرجعية: وقف النار، إطلاق الأسرى، الانسحاب، عودة الأهالي، الإعمار، انتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة. ومن هنا أهمية اجتماع روما في 17 الجاري لدعم الجيش.
ولا يجوز انتظار انتخابات إسرائيل في 27 تشرين الأول كأنها موعد خلاص. فالمشهد متقلب: استطلاع i24NEWS أعطى معسكر نتنياهو 60 مقعداً، فيما أبقت استطلاعات أخرى المعارضة متقدمة أو متعادلة. وقد يتبدل الائتلاف، لكن التشدد يتجاوز نتنياهو، وآيزنكوت لا يمثل قطيعة مع العقيدة الأمنية.
وهنا تكتسب زيارة جوزف عون إلى النبطية معناها: حضرت الدولة إلى حاضرة الجنوب، وحضور قادة الأجهزة الأمنية أكد قدرتها على مهامها. أما إسرائيل فتقارب "اتفاق الإطار" بعين انتخابية، وتتصرف كمنتصر قادر على فرض شروطه.
لكن أي جنوب نريد بعد الحرب؟ لم يكن الجنوب يوماً صوتاً واحداً؛ مدنه وقراه عرفت التنوع ثقافياً ودينياً واجتماعياً وسياسياً. واختزاله في حزب أو فئة أو سلاح أو وظيفة إقليمية يناقض تاريخه ومستقبله.
سيقول كثيرون إن إيران رفعت كلفة الحرب، وإن "اتفاق الإطار" قد يتحول إلى إذعان لشروط إسرائيل، وإن جماعة تخاف على مصيرها لا تتخلى بسهولة عمّا تعتبره آخر عناصر قوتها.
والسلاح، في وعي جزء واسع من الجنوبيين، ليس مجرد ترسانة؛ بل أصبح تعبيراً عن انتماء عقائدي وديني وإحساس بالمكانة والقوة، تعزّز بعد تحرير عام 2000. ثم بلغ ذلك ذروته في أحداث 7 أيار، حين استُخدم السلاح في الداخل دفاعاً عن السلاح نفسه. لذلك لا تستطيع أي مقاربة الاكتفاء بالمطالبة بنزعه، بل عليها معالجة الهواجس والذاكرة التي منحت هذا السلاح شرعيته لدى جزء كبير من بيئته الجنوبية.
لكن الحكم يبقى على الأرض: احتلال عاد إلى قرى الحافة، قرى مدمرة، تهجير مستمر، وحرب تستنزف الجنوب وحواضره كل يوم.
ومن هنا يجب أن يكون القرار واضحاً: لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار حرب وسلم خارج مؤسساتها، ولا ربط لمصير الجنوب بمحاور إقليمية. الطريق هو استعادة السيادة، وانتشار الجيش، وإنهاء الاحتلال، وعودة الأهالي، والإعمار. ومن يعتقد بإمكان العودة إلى ما قبل هذه الحرب، إما واهم وإما يرفض قراءة حجم الانقلاب الذي أصاب المنطقة، بما يلامس الزلزال الجيوسياسي.
الجنوب أمام فرصة أخيرة: أن يستعيد أرضه وناسه وقراره داخل الدولة، أو يبقى ساحة لحرب لا يقرر بدايتها ولا نهايتها.
*مهندس معماري وكاتب سياسي
نبض