لماذا هذه الزيارة؟
رئيس جامعة سيّدة اللويزة
سؤال كثرت الأجوبة عنه، ولا تزال تتوالى وتتراكم، ما يؤشّر إلى أهميّة هذه الزيارة، من حيث دوافعها وأهدافها وأبعادها. كلّ يقرأها من موقعه، ويراها من منظاره، ويتوقّع منها تحقيقًا لأمانيه المختلفة. ولا شكّ في أنّها زيارة لا تشبه سواها من الزيارات البابوية، إلّا في بعض جوانبها. فتوقيتُها دقيق، وأبعادُها بالغة الأهميّة، وما سيَرشَح عنها ويليها سيكون مفصليًا في تاريخ بلدٍ وشعب، وفي مستقبل وطن.
فما نحن فيه اليوم، وما يُخطَّط لغدِنا، محفوفٌ بالمخاطر، ويهدّد وجودنا وهويّتنا، وبالتالي كيانَنا اللبناني. هي زيارة، وإن بدأت بمفهوم الزيارة البسيط والمألوف، تحمل أكثر من رسالة. فالبابا يزور وطنًا يتهاوى، وشعبًا يتوق إلى الأمل، شعبًا أنهكته الأزمات، وأضحى معلّقًا بين الأرض والسماء. يأتي البابا ليحتضن شعبًا جريحًا، وليقول للعالم إنّ لبنان ليس متروكًا، ويذكّر العالم واللبنانيين بالمكانة التي يحتلّها لبنان في عقيدة الكرسي الرسولي، وبالعلاقة المتجذّرة بين هذا البلد والفاتيكان منذ مئات السنين.
هذه الزيارة ليست مجرّد مصادفة، ولا وفاءً بوعود سابقة، وليست محطة بروتوكولية ضمن روزنامة زيارات. إنّها حدث استثنائي، في لحظة وطنية استثنائية ودقيقة، يمرّ فيها لبنان بأعمق أزماته منذ تأسيسه. والسؤال "لماذا هذه الزيارة؟" يستبطن الجواب: البابا، بما يمثّله من قوّة معنوية كبرى، يأتي ليعيد تسليط الضوء على رسالة لبنان، لبنان الرسالة، في خضمّ التحديات الوجودية التي يواجهها هذا البلد العالق على مفترق طرق.
فالشكل السياسي المهتزّ، والانهيار الاقتصادي، والتدهور الاجتماعي، كلّها تهدّد النسيج الوطني الفريد. وهذه الزيارة بمثابة صرخة من روما إلى العالم، وإلى اللبنانيين أنفسهم، مفادُها أنّ هذا النموذج الحضاري، الذي يشكّل نقطة التقاء بين المسيحية والإسلام، وبين الشرق والغرب، يجب ألّا يسقط.
إنّها رسالة سلام ورجاء في زمن اليأس. "طوبى لفاعلي السلام" شعار يختصر الهدف الأسمى للزيارة. فالبابا لا يأتي ليدعم طرفًا ضد آخر، بل ليذكّر بأنّ السلام ليس غياب الحرب فحسب، بل هو إقرار بكرامة الإنسان واحترام التعددية والالتزام بالخير العام.
الزيارة تهدف إلى كسر جدران الخوف التي بنتها الأزمات في نفوس اللبنانيين، ولا سيما الشباب الذي يواجه مُرّ الهجرة. وهي تضع لبنان من جديد في واجهة الاهتمام العالمي. وقيمتُها تكمن فيما سيتلوها: فهي زيارة رعوية لكنيسة صامدة في الشرق، تعاني ما تعانيه، لكنها لا تنكسر. وهي في الوقت نفسه زيارة تحمل رسائل سياسية، موجّهة إلى الداخل والخارج.
رسالة إلى اللبنانيين بأن يكونوا على قدر مسؤولية الوطن، ورسالة إلى المجتمع الدولي بأنّ لبنان يحتاج إلى دعم حقيقي، لا إلى وعود. إنّها دعوة إلى انتفاضة أخلاقية لإعادة بناء الدولة. فالبابا يزرع شجرة رجاء، ويبقى على المسؤولين الاعتناء بها.
إنّها أيضًا دعوة إلى انتفاضة تاريخية، فالزيارة لا تكتمل مفاعيلها إلّا إذا تحوّلت رسائلها الروحية إلى قرارات سياسية وإصلاحات جذرية تنقذ الوطن، وتنقذ المسيحيين المشرقيين الذين يتخبّطون بين الاضطهادات والتراجع عن رسالتهم الحضارية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من حضارة الشرق.
فلبنان اليوم على موعد مع فرصة قد تكون الأخيرة لاستعادة دوره كمنارة للشرق ورسالة سلام يجب الحفاظ عليها من أهلها قبل أي طرف خارجي. نعم، السلام ضرورة ماسّة، ولا أحد قادر على التبشير به والعمل لنشره إلّا من آمن بالسلام وسعى إليه.
نبض