هل الحرب الأهلية تطرق الأبواب؟

آراء 15-08-2025 | 02:00

هل الحرب الأهلية تطرق الأبواب؟

يظل سلاح "حزب الله" عقدة سياسية وأمنية تحول دون استقرار النظام اللبناني وتغذي المخاوف من انفجار أمني في أي لحظة.
هل الحرب الأهلية تطرق الأبواب؟
ملف السلاح في لبنان وبالأخص سلاح الحزب، من أكثر القضايا حساسية وإثارة للانقسام الداخلي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

د.أيمن عمر*


المشهد الداخلي اللبناني مشهد قاتم وسوداوي أمام انقسام لم يعد عمودياً، بل أصبح هويّاتيّا ومذهبياً ووجوديّاً. وفي ظل عدة عوامل داخلية وخارجية تسهم في تأجيج هذا الانقسام، وبالتالي أمام إشكالية كبيرة: هل نحن مقبلون على حرب أهلية ثانية؟

 

العوامل الداخلية:

 

1- ملف سلاح "حزب الله": يُعدّ ملف السلاح في لبنان وبالأخص سلاح الحزب، من أكثر القضايا حساسية وإثارة للانقسام الداخلي. فبينما يرى أنصار الحزب أنّ هذا السلاح يشكل ركيزة أساسية في معادلة الردع ضد إسرائيل وحماية لبنان من أي اعتداء، يعتبره خصومه عامل تهديد مباشر لسيادة الدولة وهيبتها، ويحمّلونه مسؤولية تعطيل قيام مؤسسات الدولة القادرة على احتكار القوة المسلحة. هذا الانقسام يجعل السلاح نقطة اشتباك سياسي دائم وذريعة لتأجيج الاصطفافات الطائفية. وبذلك، يظل هذا السلاح عقدة سياسية وأمنية تحول دون استقرار النظام اللبناني وتغذي المخاوف من انفجار أمني في أي لحظة.

 

2- تحركات الشارع الشيعي: تشكّل تحركات الشارع الشيعي في الأيام الأخيرة مؤشراً على استنفار شعبي واسع، حيث خرج آلاف المؤيدين لـ"حزب الله" وحركة أمل في احتجاجات حاشدة رفضاً لأي محاولة لنزع سلاح الحزب. هذه التحركات أظهرت استعداداً للرد بقوة وتهديد السلم الأهلي إذ تم ربط السلاح كرمز حماية وأمن للطائفة الشيعية وليس لحزب بعينه.

 

3- تصريحات "حزب الله": تؤكد قيادات "حزب الله" أن سلاح الحزب خط أحمر، وأي محاولة لنزعه بالقوة ستقابل برد فعل مسلح قد يصل إلى فتنة داخلية واسعة، محذرة من تداعيات خطيرة قد تعيد لبنان إلى دائرة العنف.

 

4- الانهيار الاقتصادي والاجتماعي: يتخبط لبنان في أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ما أدى إلى تراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها، وزيادة الاحتقان الشعبي، خاصة في المناطق الفقيرة والمحرومة، وتالياً يجعل الشارع اللبناني أكثر عرضة للتحرك والغليان.

 

5- الاستقطاب السياسي والطائفي: تسيطر المحاصصة الطائفية على النظام السياسي اللبناني، ما أدى إلى استقطاب حاد بين القوى السياسية، وعرقلة الإصلاحات اللازمة. الجمود السياسي والأزمة الاقتصادية لفترة طويلة، ساهم في تفكك مؤسسات الدولة وضعف السيطرة الأمنية، ما خلق بيئة ملائمة للصراعات الحزبية والطائفية والنزاعات المسلحة.

 

العوامل الخارجية:

 

 

1. التدخلات الإقليمية: لبنان يقع في قلب صراعات إقليمية متشابكة، حيث تتصارع قوى إقليمية على النفوذ، ويستخدم لبنان كساحة للنفوذ من خلال دعم جهات مسلحة مختلفة. هذه التدخلات تعمق الانقسامات الداخلية وتزيد من هشاشة الدولة. كما أن المطالبات المتكررة إقليمياً ودولياً بنزع سلاح الحزب تصطدم بمعادلات إقليمية معقدة، ما يجعل الملف يتجاوز حدود السياسة الداخلية ليصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع. كما أن الولايات المتحدة ودول  الخليج العربي وبالأخص السعودية يربطان أي دعم اقتصادي أو مساعدات مالية للبنان بمدى التقدّم في هذا الملف.

 

2. الضغط الإسرائيلي متعدد الأوجه: لم يعد الضغط الإسرائيلي يقتصر على الحدود الجنوبية فقط، بل توسع ليشمل عمليات عسكرية دقيقة في مناطق مختلفة من لبنان، من الجنوب إلى البقاع وأحياناً داخل بيروت، تشمل غارات جوية واغتيالات واستهدافات للبنية التحتية لـ"حزب الله" وفصائل مسلحة أخرى. وتمارس إسرائيل ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية تهدف إلى عزل لبنان وتقليص نفوذ "حزب الله"، ما يزيد من التوتر الداخلي ويعزز احتمالات التصعيد.

 

3. الأزمات الإقليمية المجاورة: تأثير الحرب في سوريا، والتقلبات السياسية في العراق واليمن، ينعكس على لبنان عبر التداخل الأمني والاقتصادي والسياسي.

 

سيناريوات التصعيد المحتملة، تتراوح بين:

• تصعيد محدود ومسيَّر: اندلاع اشتباكات محلية في الجنوب أو البقاع تبقى محدودة زمنياً ومكانياً، تُدار عبر وساطات إقليمية ودولية وتنفّذ تهدئة مؤقتة. (أكثر احتمالاً على المدى القريب إذا ظلت المصالح الإقليمية متحكمة).

 

• حرب إقليمية موسّعة عبر لبنان: اشتباك كبير بين إسرائيل و"حزب الله" يتحوّل إلى حملة عسكرية شاملة داخل الأراضي اللبنانية، مع دمار واسع ونزوح كبير — سيناريو عالي الشدة لكنه يرتبط بدرجات دعم وإدارة أوسع من الفاعلين الإقليميين.

 

• انقسام داخلي متدرّج يؤدي إلى نزاع أهلي: تفاقم الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي بالتزامن مع فقدان سلطة مركزية وشرعية مؤسساتية قد يخلق جبهات داخلية متعددة (سياسية/مسلَّحة) — هذا السيناريو الأصعب لكن احتماله مرهون بتآكل حقيقي للسيادة على السلاح وتفكك الجيش والمؤسسات.


...الوضع في لبنان يبقى على شفير الهاوية، وإن غياب التوافق الوطني يجعل البلاد في حالة من المراوحة الخطيرة، حيث لا يبدو أن هناك قدرة فعالة على إدارة الأزمة أو تفادي الانزلاق إلى صراع داخلي. والعوامل الآنفة الذكر ترفع من احتمال اندلاع صراع مسلح أو حرب أهلية في لبنان، لكن تماسك الجيش اللبناني ورغبة القوى الإقليمية والدولية في الحفاظ على استقرار نسبي في لبنان تخفف من احتمالية انفجار شامل في القريب العاجل. الاحتمال يبقى كبيراً لكنه ليس حتمياً، ويتوقف على مدى قدرة الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية على إدارة هذا الملف بديبلوماسية وحكمة، والحوار السياسي الذي يتناول ملف السلاح بشفافية وروح وطنية، بعيداً عن الاستفزازات.

 

*أكاديمي وباحث اقتصادي وسياسي

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 11/29/2025 4:00:00 PM
مقاربته للمشهد بعد تجربته في السجن لم تختلف عن تلك التي كان يعتمدها عندما كان في سدة المسؤولية.
لبنان 11/26/2025 5:22:00 AM
كل ما يجب معرفته عن زيارة الحبر الأعظم الأحد
سياسة 11/28/2025 5:57:00 PM
تفاصيل غير مسبوقة عن كيفية وصول الموساد إلى عماد مغنية
سياسة 11/28/2025 8:53:00 PM
ضابط إسرائيلي يكشف أنّ اغتيال الطبطبائي كان عملية معقّدة سريعة القرار استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة واستهدفت تعطيل بنية "حزب الله" العملياتية.