دور مهم للتضامن العربي رغم كل التراجعات
اللقاءات الثنائية والاجتماعات العامة، التي عُقدت في سياق مجلس التعاون الخليجي، تبعث على التفاؤل.
تلاشت الخلافات العربية – العربية إلى الحدود الدُنيا، وتبدو اللحظة السياسية الراهنة مناسبة مثالية لدفع التضامن العربي نحو مسارات مُتقدِّمة؛ ذلك أن الهجمة التي تستهدف الأمن القومي العربي كبيرةٌ جداً، ولم يعُد بالإمكان التسامح أكثر مع الذين يهددون مصالح الدول العربية واستقرار العالم. والتراجع إلى الوراء يُعتبر هدية للذين تجاوزوا حدودهم في تهديد أمن المنطقة برمتها.
يتلاقى الخطر الإسرائيلي الذي يتمادى في عدوانه على فلسطين وعلى لبنان وعلى سوريا، مع الخطر القادم من مجموعات مُتفلِّتة في اليمن، تتلقى توجيهاتها من الخارج، وتستخدمها إيران ورقة تفاوض في صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية.
التضامن، الذي أظهرته أغلبية الجهات العربية الرسمية والشعبية مع الدول الخليجية، كان واسعاً ولافتاً، والإدانات التي رفعت بوجه الميليشيات الحوثية التي استهدفت المنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية كانت شاملة، ما ساهم في دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار بيان رئاسي يدين الاعتداءات الحوثية من دون أي اعتراض، وقبل طلباً لدراسة تبنّي قرار أممي يُصنف هذه الميليشيات منظمة إرهابية.
وقد انقلبت الصفحة السابقة بكاملها مع ظهور المشهد المؤلِم في المٌنشآت المدنية السعودية، وغيرت بعض الدول العربية المُتردِدة مواقفها تجاه التجاوزات الحوثية، لأن الأمر لم يعُد يخصّ الحكومة اليمنية الشرعية، أو دول الخليج فحسب، بل أصبح الانفلاش الأمني للحوثيين يشكّل خطراً واسعاً على استقرار المنطقة وهويتها العربية، بصرف النظر عن بعض الأحقية التي تمتلكها مطالبهم الداخلية لكونهم أحد مكونات اليمن "السعيد".
قرار الحوثيين بتفجير الوضع خدمةً للمقاربة الإيرانية بدا واضحاً منذ تموز/يوليو 2026، عندما عادت الطائرة التي نقلت الوفد الحوثي المشارك في تشييع السيد علي خامنئي، وقررت الهبوط عنوةً في مطار صنعاء، تحدياً لكل الاتفاقات السابقة. وبرغم المساعدات الكبيرة التي قدمتها دول الخليج العربي لليمنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، تواصلت الاستفزازات الحوثية، وهدَّد هؤلاء حرية الملاحة في البحر الأحمر متجاوزين كل القوانيين الدولية ذات الصلة. وقد وصل بهم الجنوح إلى حدّ تهديد حرية المرور في مضيق باب المندب، وهو مرفق عالمي استراتيجي، ترتبط فيه مصالح عدد كبير من دول العالم، وتعتمد عليه التجارة الدولية بما يقارب الـ 15 في المئة من حركتها.
مع تجاوز انفلاش الحوثيين لكل الحدود، وبعد أن تمادت إسرائيل في عدوانها على الفلسطينيين وعلى لبنان، وهي تُهدِّد سوريا ووحدتها من خلال احتلالها لقسم من أراضي الجنوب، ودعمها لمجموعات مُتفلِّتة في السويداء، أصبح لزاماً على الدول العربية مجتمعةً الوقوف في وجه هذه الهجمة الشرسة، وتعطيل نتائج التدخلات الخارجية في الشأن العربي، وتوفير منظومة حماية جديدة، تكفل توفير الاستقرار في المنطقة العربية، ولا سيما بعد أن فشلت القواعد الأجنبية في تأمين مثل هذه الحماية.
اللقاءات الثنائية والاجتماعات العامة، التي عُقدت في سياق مجلس التعاون الخليجي، تبعث على التفاؤل. والخطوات العملية التي اتخذتها كل من مصر وسوريا لمساندة الدول الخليجية كانت مؤثرة ومهمة، وقد ترافقت مع خطوات اتخذتها الحكومة العراقية لضبط المجموعات الخارجة عن القانون، والتي تتلقى التوجيهات من إيران لضرب أهداف في كردستان وفي دول مجاورة. والرأي العام العربي يترقب تفعيل التضامن العربي من خلال مؤسسات جامعة الدول العربية، وتحريك مسار اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والاتفاق على تطوير منظومة الأمن العربي، بما يتماشى مع التحديات الجديدة، والدفع نحو إقرار معاهدة دولية تُحرِّم استخدام المُسيَّرات القتالية في المدن، استناداً الى الاقتراح التي تقدمت به الإمارات العربية المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي في 30 كانون الأول/ديسمبر 2023.
الهجمة التي تستهدف الحضور العربي كبيرةٌ جداً، بسبب التفلُّت الإسرائيلي والانفلاش الإيراني، بينما الولايات المتحدة الأميركية غير مبالية بحماية أصدقائها، والفرصة مُهيئة لتفعيل التضامن العربي، ولوضع استراتيجية أمنية عربية بالتعاون مع الدول الصديقة، ولا سيما القريبة منها، بما يحمي المصالح العربية، ويُوقف مسلسل التراجعات.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض