لماذا لم يستطع لبنان فرض كل شروطه؟

آراء 08-06-2026 | 11:41

لماذا لم يستطع لبنان فرض كل شروطه؟

هل تشترط إسرائيل التطبيع للانسحاب من لبنان؟
لماذا لم يستطع لبنان فرض كل شروطه؟
المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل (أ ف ب).
Smaller Bigger

الدكتورة فاديا كيوان

فيما تنفست غالبية اللبنانيين الصعداء بعد إعلان الاتفاق على وقف أطلاق نار شامل، وبقي المخضرمون يحبسون أنفاسهم إزاء انهيار القرار فيما لو لم يلتزمه أي من الطرفين، أحس بعضنا بالمرارة من أن الاتفاق لم يأتِ صراحةً على ذكر انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها وإعادة الاسرى اللبنانيين. وهذه شروط لطالما رددها رئيس الجمهورية في كل خطاباته ومواقفه. لكن علينا أن نعي أن المفاوضات بين المتحاربين تأتي دائما في ظروف يحكم فيها ميزان القوى العسكري- الميداني مواقع مختلف الأفرقاء وقدرتهم على التفاوض وفرض شروطهم.

 

ميزان القوى الميداني

في ضوء ما تقدم، علينا أن نتساءل كيف هو ميزان القوى الميداني، وهل كان من الافضل عدم الدخول في المفاوضات أي تأجيلها الى فترة لاحقة؟ وكيف كان وضع الدولة اللبنانية وهي تدخل تلك المفاوضات؟

 

أولاً، غني عن القول أنه كان من الأفضل حتماً للبنان ألا يكون قد تورط في حرب "لبيك خامنئي" ومن قبلها حرب إسناد غزة… لكان قد نأى بنفسه عن حرب الآخرين على أرضه. لكن نحن نفهم أن النظام الإيراني لم يسند حلفاءه اللبنانيين ويمولهم ويدعمهم ويسلحهم خلال ما يزيد عن 45 عاماً ليتهربوا اليوم من الوقوف الى جانبه، قاتلاً كان أم مقتولاً.

وكلمة حق تقال في حلفاء النظام الايراني في لبنان أنهم أوفياء وصادقون مع من سندهم ومولهم وسلحهم ودعمهم لتعزيز حجمهم الى هذا الحد.
أما وقد حصل ما حصل، فقد عادت اسرائيل واحتلت مناطق واسعة من الجنوب ودمّرت كل معالم الحياة فيها، وأحرقت بالمواد الكيميائية أراضٍ زراعية واسعة في القرى والبلدات اللبنانية الجنوبية فيما نزح أهلها قسراً وباتوا يعيشون في أوضاع هشة في مراكز الايواء.

 

يوماً بعد يوم اتسع الاجتياح الإسرائيلي واتسع حجم الدمار والقتل والإيذاء، والدولة عاجزة عن حماية الناس في بيوتهم وأرزاقهم وقراهم، ناهيك بعجز قواها العسكرية عن هكذا حماية أيضاً. والكل يعلم أننا جميعاً مسؤولون عن هذا العجز الناتج من سياسات عامة مائعة متخاذلة حيث كانت القوى السياسية اللبنانية النافذة تعقد الصفقات وتحقق المكاسب على قاعدة حجب الجيش اللبناني عن مهماته الوطنية الأساسية والإحجام عن تسليحه وتعزيز قدراته. وفي الوقت نفسه كانت تلك القوى النافذة تغض الطرف عن تسليح "حزب الله" وقيامه بحفر الانفاق ونقل السلاح والذخيرة الى باطن الارض، وإنشاء مصانع للأسلحة والذخيرة في مناطق لبنانية بعضها ناءٍ وبعضها مأهول  بل ومكتظ. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فعلينا التمييز بين فئات ثلاث: فئة شاركت في وضع تلك السياسات العامة وتنفيذها تحقيقاً لمكاسب سياسية ومصالح اقتصادية ومالية وسياسية. وفئة ثانية كانت تقف عاجزة عن تغيير تلك التوجهات فسكتت وسعت فقط الى حماية رأسها ومصالحها المحدودة وفي الحفاظ على حدِّ أدنى من النفوذ. وفئة ثالثة كانت "تضحك في عبها" كما نقول بالعامية لأن ذاك الانجراف الأعمى كان ليحقق أمانيها في وصول لبنان الكبير إلى المأزق وعودة البعض الى النظر في طروحاتهم.

 

ذهبت الدولة إلى المفاوضات والسكين في خاصرتها:

ذهبت الدولة اللبنانية ضعيفة الى المفاوضات، ليس لأنها لم تجرها بالشراكة مع مفاوضات النظام الايراني، بل لأن بعض مكونات شعبها جاهر بالعداء للدولة وهدد المسؤولين وتوعدهم و"نصحهم".

 

 وأعلن هذا البعض  في كل مناسبة أن أي وقف إطلاق نار في لبنان قد جرى بمساعٍ ايرانية وليس بجهود الدولة اللبنانية. 

 

كانت الدولة اللبنانية تقف في المفاوضات والسكين في خاصرتها. وممن؟ من الذين هي تسعى- وهذا واجبها- الى حمايتهم وحماية أهلهم وأرضهم وما تبقى من أرزاقهم.

 

كلما تأخرنا بالمفاوضات  تقدم العدو الاسرائيلي في عدوانه وتوسع في اجتياح مناطق جديدة وأحرق الحياة فيها.

 

أما عن دور إيران وموقفها فلا شك في أنها حاولت أن يكون لبنان ضمن فريقها المفاوض ولكن كورقة ضغط وليس كحليف أو شريك. فهي مولت وسلحت ودعمت فريقاً اعتنق عقيدة النظام الايراني حتى الموت، لتعزيز موقعها وليقوى ساعدها في المفاوضات. 

هل تقايض إيران رفع العقوبات عنها بالحفاظ على حلفائها وأذرعها أم العكس؟

 

إذا ما توقفنا عند المواضيع الرئيسية المطروحة على طاولة المفاوضات الإيرانية/الأميركية/الإسرائيلية، فهي تتمحور حول اقتناء سلاح نووي، والحفاظ على الصواريخ البالستية ورفع العقوبات عنها والإفراج عن ودائعها المحجوزة، والحفاظ على أذرعها في المنطقة العربية، من العراق الى لبنان الى البحرين واليمن.

 

وفي كل مفاوضات تكون هناك أولويات عند كل فريق ويجري أخذ وعطاء للتوصل الى تسوية، إلا في حال تمكن فريق من فرض سيطرته العسكرية على الآخر ودفعه إلى الاستسلام. ونحن نرى النظام الإيراني يعاند ويحاول الاستمرار بالمواجهة لتخفيف خسائره. الكل يرى أن الدمار الواسع قد أصاب البنيات التحتية العسكرية الايرانية وأن أزمة اقتصادية خانقة تلف البلاد وقد زادت عزلة النظام بأن استعدى جيرانه العرب في الخليج. فقد تعمد استهدافهم من أجل أن ينقلبوا على الولايات المتحدة الأميركية،  لكن الواقع جاء مختلفاً فقد تعزز لديهم الشعور بالقلق من النفوذ الايراني المتسلل الى نسيج مجتمعاتهم، مسنوداً الى نظامٍ صاروخي يُبقى التهديد الأمني قائماً، مما يصيب إصابات مؤلمة لاستقرارهم الاقتصادي. فهم باتوا اليوم أكثر حذراً وبعضهم أكثر عداءً للنظام القائم في طهران.

 

في ضوء مجريات الواقع الميداني فقد تحكمت اسرائيل اكثر بالأرض اللبنانية. وقد نجحت في التمييز بين وقف النار والانسحاب من أراضينا وإعادة أسرانا.
ففي البيان الصادر عن الاجتماع الثلاثي الأخير بحضور الوسيط الأميركي، وضعت إسرائيل شرط إيقاف "حزب الله" كل عملياته جنوب الليطاني  وإدخال تدريجي لوحدات من الجيش اللبناني مكان وحداته وضمان أمن حدودها، قبل البحث في موضوع الانسحاب.

 

في المقابل نجح الفريق اللبناني المفاوض في التمييز بين الاتفاق الأمني واتفاق السلام. لكن من الواضح أنه لم يسمح له أن يفرض ذكر انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها حتى الآن وكذلك إعادة الأسرى ضمن بنود الاتفاق الأمني. 

 

هل تشترط إسرائيل التطبيع للانسحاب من لبنان؟

 في الواقع يبدو أن  الانسحاب من الأراضي التي احتلتها اسرائيل   في حربها الأخيرة، سيكون ورقة ضغط  تستعملها اسرائيل في المفاوضات المقبلة، أي أنها قد تشترط على لبنان توقيع اتفاق سلامٍ معها للانسحاب من أراضيه.
والدولة اللبنانية تحاول التشبث بحصر المفاوضات بتثبيت وقف نارٍ دائم دونما الذهاب الى أبعد من ذلك، لأن لبنان معني مباشرة بإيجاد تسويةٍ عادلة للقضية الفلسطينية وهي تتلخص بقبول اسرائيل بحل الدولتين. ولدى الدولة اللبنانية  أكثر من سبب لاعتماد هذا التوجه. فهو من جهة يجنب لبنان كأس توطين مئات آلاف الفلسطينيين، ومن جهة أخرى يحافظ على ثوابت سياسته الخارجية العربية ويبقيه ضمن السرب العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وهي آخر المدافعين عن حل الدولتين وأول الممانعين للتطبيع  وآخرهم قبل قبول اسرائيل الحل العادل والشامل للصراع العربي/الإسرائيلي وعودة الاستقرار الى منطقة الشرق الأوسط برعاية أميركية متجددة.

هذا أفضل الممكن

خلاصة القول أن هذا الاتفاق لوقف النار هو أفضل الممكن بالنسبة للدولة اللبنانية. أما خلاف ذلك فهو مزيد من التوسع الاسرائيلي في الاحتلال ومزيد من التدمير ومزيد من اللبنانيين الذين يسقطون شهداء في بيوتهم وعلى الطرق.

 

إن التاريخ سيسجل مواقف الجميع وهو سيحاسب الجميع، وهو سيعظم قدر البعض الذي يتحلى بالشجاعة وسيدين من يمعن في التضحية بلبنان لإنقاذ نفسه ويسقطه.

 

كيف يواجه لبنان العدو الاسرائيلي وهو قوي؟

 

عبر التفاف جميع مكونات لبنان حول الدولة ودعمها في أي مفاوضات. الوحدة الوطنية كانت وستبقى السلاح الأمضى للمحافظة على لبنان الكبير في وجه كل الأطماع. وبغياب الوحدة الوطنية سيقضي لبنان الكبير على نفسه. أما من يعتقد أنه يستدرج العدو الى حرب استنزاف، فربما لم يلاحظ أنه يستنزف لبنان الذي هو ماضٍ في القضاء على نفسه.

 

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.